عسلاوي أبو مريم
02-05-2006, 12:11 AM
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أجزل الله له الأجر والثواب، وأسكنه الجنة بغير حساب; (الدرر السنية)
هذه: كلمات في معرفة شهادة أن لا إله إلا الله، وأن
(ص85) محمداً رسول الله، وقد غلط أهل زماننا فيها، وأثبتوا لفظها دون معانيها، وقد يأتون بأدلة على ذلك، تلتبس على الجاهل المسكين، ومن ليس له معرفة في الدين، وذلك يفضى إلى أعظم المهالك 0
فمن ذلك قوله " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، فإذا قالوها، عصموا مني لما سئل عن شفاعته: من أحق بها يوم القيامةدماءهم وأموالهم " الحديث، وكذلك قوله : " من كان آخر كلامه لا؟ قال: " من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه " وقوله إله إلا الله دخل الجنة " وكذلك حديث عتبان: " فإن الله حرم على النار، من قال لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله " 0
وهذه الأحاديث الصحيحة، إذا رآها هذا الجاهل، أو بعضها، أو سمعها من غيره، طابت نفسه، وقرت عينه، واستفزه المساعد على ذلك، وليس الأمر كما يظنه هذا الجاهل المشرك، فلو أنه دعا غير الله، أو ذبح له، أو حلف به، أو نذر له، لم يرَ ذلك شركاً، ولا محرماً، ولا مكروهاً، فإذا أنكر عليه أحد بعض ما ينافي التوحيد لله، والعمل بما أمر الله، اشمأز، ونفر، وعارض بقوله: قال رسول الله، وقال رسول الله 0
وهذا: لم يدر حقيقة الحال، فلو كان الأمر كما قال، لما قال الصديق رضي الله عنه في أهل الردة: والله لو منعوني عناقاً، أو قال عقالاً، لقاتلتهمكانوا يؤدونه إلى رسول الله
(ص86) عليه، أفيظن هذا الجاهل أنهم لم يقولوا لا إله إلا الله ؟ 0
في الخوارج:وما يصنع هذا الجاهل، بقول رسول الله " أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم، فإنهم شر قتيل تحت أديم هذا، أنهم لمالسماء " أفيظن هذا الجاهل: أن الخوارج الذين قال فيهم رسول الله : " في هذه الأمة " – ولم يقل: منها – " قوم يحقريقولوا لا إله إلا الله ؟ وقال أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم " 0
وكذلك أهل حلقة الذكر، لما رآهم أبو موسى في المسجد، في كل حلقة رجل يقول: سبحوا مائة، هللوا مائة – الحديث – فلما أنكر عليهم صاحب رسول الله قالوا: والله ما أردنا إلا الخير؛ قال: كم من مريد للخير لم يصبه، إن رسول الله حدثنا " أن قوماً يقرؤون القرآن، لا يجاوز حلوقهم، أو قال تراقيهم " وأيم الله: لا أدري أن يكون فيكم أكثرهم، فما كان إلا قليلاً، حتى رأوا أولئك يطاعنون أصحاب رسول يوم النهروان، مع الخوارج؛ أفيظن هذا الجاهل المشرك، أنهم يشركون لكونهمالله يسبحون ويهللون ويكبرون ؟ 0
يجاهدون فيوكذلك المنافقون، على عصر رسول الله الصلوات الخمس، ويحجون معه،سبيل الله، بأموالهم، وأنفسهم، ويصلون مع رسول الله قال الله
(ص87) تعالى: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار) [النساء: 145] أفيظن هذا الجاهل، أنهم لم يقولوا لا إله إلا الله ؟ وكذلك قاتل النفس بغير الحق يقتل، أفيظن هذا الجاهل أنه لم يقل لا إله إلا الله، وأنه لم يقلها خالصاً من قلبه ؟
فسبحان من طبع على قلب من شاء من عباده، وأخفى عليه الصواب، وأسلكه مسلك البهائم والدواب، (إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا) [الفرقان: 44] حتى قال هؤلاء الجهلة، ممن ينتسب إلى العلم، والفقه قبلتنا من أمها لا يكفر 0
فلا إله إلا الله، نفي وإثبات الإلهية كلها لله: فمن قصد شيئاً من قبر، أو شجر، أو نجم، أو ملك مقرب، أو نبي مرسل، لجلب نفع، وكشف ضر، فقد اتخذه إلهاً من دون الله؛ مكذب بلا إله إلا الله، يستتاب، فإن تاب وإلا قتل 0
فإن قال: هذا المشرك، لم أقصد إلا التبرك؛ وإني لأعلم أن الله هو الذي ينفع ويضر، فقل له: إن بني إسرائيل ما أرادوا إلا ما أردت، كما أخبر الله عنهم، أنهم لما جاوزوا البحر: (فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة) فأجابهم بقوله: (إنكم قوم تجهلون) الآيتين [الأعراف: 138 – 139] 0
وحديث أبي واقد الليثي قال: خرجنا إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرةمع رسول الله
(ص88) يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول " الله أكبر، إنهاالله، اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله السنن، قلتم والذي نفسي بيده، كما قالت بنو إسرائيل لموسى (اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة) لتركبن سنن من كان قبلكم " وقال تعالى: (أفرأيتم اللات والعزى) [النجم: 19] وفي الصحيح عن ابن عباس، وغيره: كان يلت السويق للحاج، فمات، فعكفوا على قبره 0
فيرجع هذا المشرك، يقول: هذا في الشجر، والحجر، وأنا اعتقد في أناس صالحين، أنبياء، وأولياء، أريد منهم الشفاعة، عند الله، كما يشفع ذو الحاجة عند الملوك، وأريد منهم القربة إلى الله؛ فقل له: هذا دين الكفار بعينه، كما أخبر سبحانه بقوله: (والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) [الزمر: 3] وقوله: (ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله) [يونس: 18] 0
وقد ذكر أناساً يعبدون المسيح، وعزيراً؛ فقال الله: هؤلاء عبيدي، يرجون رحمتي، كما ترجونها، ويخافون عذابي، كما تخافونه؛ وأنزل الله سبحانه: (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً) الآيتين [الإسراء: 56 – 57] وقال تعالى: (ويوم يحشرهم جميعاً ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون، قالوا
(ص89) سبحانك) الآيتين [سبأ: 40 – 41] 0
والقرآن، بل والكتب السماوية، من أولها إلى آخرها: مصرحة ببطلان هذا الدين، وكفر أهله، وأنهم أعداء الله ورسوله، وأنهم أولياء الشيطان، وأنه سبحانه لا يغفر لهم، ولا يقبل عملاً منهم، كما قال تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) [النساء: 48] وقال تعالى: (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثوراً) [الفرقان: 23] وقال تعالى: (فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون) [البقرة: 22] قال ابن مسعود، وابن عباس: لا تجعلوا له أكفاء من الرجال، تطيعونهم في معصية الله، وقال : ما شاء الله وشئت، قال: " أجعلتني لله نداً ؟ قل: ما شاء الله وحده "رجل للنبي لأصحابه: " أخوف ما أخاف عليكم: الشرك الأصغر " فسئل عنه فقال: " الرياء "وقال 0
وبالجملة: فأكثر أهل الأرض، مفتونون بعبادة الأصنام، والأوثان، ولم يتخلص من ذلك إلا الحنفاء، أتباع ملة إبراهيم عليه السلام، وعبادتها في الأرض، من قبل قوم نوح، كما ذكر الله، وهي كلها، ووقوفها، وسدانتها، وحجابتها، والكتب المصنفة في شرائع عبادتها، طبق الأرض، قال إمام الحنفاء: (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) [إبراهيم: 35] كما قص الله ذلك عنهم في القرآن، وأنجى الرسل واتباعهم من الموحدين 0
أن بعث(ص90) وكفى في معرفة كثرتهم وأنهم أكثر أهل الأرض: ما صح عن النبي النار من كل ألف: تسعمائة وتسعة وتسعون، قال الله تعالى: (فأبى أكثر الناس إلا كفوراً) [الإسراء: 89] وقال: (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله) [الأنعام: 116] وقال: (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) [يوسف: 103] 0
ولما أراد سبحانه إظهار توحيده، وإكمال دينه، وأن تكون كلمته هي العليا، وكلمة الذين خاتم النبيين، وحبيب رب العالمين، وما زال في كل جيلكفروا هي السفلى، بعث محمداً مشهوراً، وفي توراة موسى، وإنجيل عيسى، مذكوراً، إلى أن أخرج الله تلك الدرة، بين بني كنانة، وبني زهرة فأرسله على حين فترة من الرسل، وهداه إلى أقوم السبل 0
من الآيات، والفكان له دلالات على نبوته، قبل مبعثه، ما يعجز أهل عصره، فمن : " أنا دعوة أبى إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي التي رأت، حين وضعتنيذلك قوله أنه خرج منها نور أضاءت له: بصرى من أرض الشام " 0
ليلة الاثنين، الثانيوولد عشر من ربيع الأول، عام الفيل، وانشق إيوان كسرى ليلة مولده، حتى سمع انشقاقه وسقط أربع عشرة شرفة، وهو باقٍ إلى اليوم آية من آيات الله، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك، وغاضت
(ص91) بحيرة: ساوة، وكانت بحيرة عظيمة، في مملكة العراق، عراق العجم، وهمدان، تسير فيها السفن، وهي أكثر من ستة فراسخ، فأصبحت ليلة مولده، يابسة ناشفة، كأن لم يكن بها ماء، واستمرت على ذلك، حتى بني مكان " ساوة " وباقية إلى اليوم.
وأرسلت الشهب على الشياطين، كما أخبر الله بقوله: (وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع) [الجن: 9] وأنبته الله نباتاً حسناً، وكان أفضل قومه مروة، وأحسنهم خلقاً وأعزهم جواراً، وأعظمهم حلماً، وأصدقهم حديثاً، حتى سماه قومه الأمين، لما جعل الله فيه من الأحوال الصالحة، والخصال المرضية 0
ووصل بصرى من أرض الشام، ، وأمر برده، فرده معمرتين، فرآه بحيرا الراهب فعرفه، وأخبر عمه أنه رسول الله بعض غلمانه، وقال لعمه: احتفظ به، فلم نجد قدماً أشبه من القدم الذي بالمقام من قدمه، واستمرت كفالة أبى طالب، كما هو مشهور، وبغضت إليه الأوثان، ودين قومه، فلم يكن شيء أبغض إليه من ذلك 0
من العقل والنقل، أماوالدليل على أنه رسول الله النقل: فواضح، وأما العقل: فنبه عليه القرآن؛ من ذلك: ترك الله خلقه بلا أمر، ولا نهى، لا يناسب في حق الله، ونبه عليه، في قوله: (وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به
(ص92) موسى نوراً وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم) [الأنعام: 91]0
ومنها أن قول الرجل: إني رسول الله، إما أن يكون خير الناس، وإما أن يكون شرهم، وأكذبهم، والتمييز بين ذلك سهل، يعرف بأمور كثيرة؛ ونبه على ذلك بقوله: (هل أنبئكم على من تنزل الشياطين، تنزل على كل أفاك أثيم) الآيات [الشعراء: 221- 223] ومنها: شهادة الله بقوله: (قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) [الرعد: 43] ومنها: شهادة أهل الكتاب بما في كتبهم، كما في الآية 0
ومنها: - وهي أعظم الآيات العقلية - هذا القرآن الذي تحداهم الله بسورة من مثله، ونحن إن لم نعلم وجه ذلك، من جهة العربية، فنحن نعلمها من معرفتنا بشدة عداوة أهل الأرض له، علمائهم، وفصحائهم، وتكريره هذا، واستعجازهم به، ولم يتعرضوا لذلك، على شدة حرصهم على تكذيبه، وإدخال الشبه على الناس؛ ومنها: تمام ما ذكرنا وهو: إخباره سبحانه أنه لا يقدر أحد أن يأتي بسورة مثله، إلى يوم القيامة؛ فكان كما ذكر، مع كثرة أعدائه في كل عصر، وما أعطوا من الفصاحة، والكمال، والعلوم 0
ومنها: نصرة من اتبعه، ولو كانوا أضعف الناس؛ ومنها: خذلان من عاداه، وعقوبته في الدنيا، ولو كانوا أكثر الناس وأقواهم؛ ومنها: أنه رجل أمي لا يخط، ولا يقرأ
(ص93) الخط، ولا أخذ عن العلماء، ولا ادعى ذلك أحد من أعدائه، مع كثرة كذبهم، وبهتانهم؛ ومع هذا: أتى بالعلم، الذي في الكتب الأولى، كما قال تعالى: (وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لا ارتاب المبطلون) [العنكبوت: 48].
وقال رحمه الله تعالى:
ولما بلغ أربعين سنة: بعثه الله (بشيراً ونذيراً)، (وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيرا) ولما أتى قومه بلا إله إلا الله، قالت قريش: (أجعل الآلهة إلهاً واحداً) قال الترمذي: حدثني محمد بن صالح، عن عاصم بن ثلاث سنين مستخفياً،عمرو بن قتادة، وزيد بن مروان، وغيرهم، قالوا: قام رسول الله ثم أعلن في الرابعة، فدعا عشر سنين، يوافي الموسم كل عام، فيقول: " أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، وتملكوا بها العرب، وتدين لكم بها العجم، فإذا متم كنتم ملوكاً في الجنة " وأبو لهب وراءه، يقول: لا تطيعوه، فإنه صابئي كذاب، فيردون عليه أقبح الرد 0
ولما أمره الله بالهجرة، هاجر، وأظهر الله دينه على الدين كله، وقاتل جميع المشركين، ولم يميز بين من اعتقد في نبي، ولا ولي، ولا شجر، ولا حجر؛ ومازال يعلم الناس التوحيد، ويقمع من دعاة الشرك: كل شيطان مريد، حتى أزال الله الجهل والجهال، وبان للناس من التوحيد ساطع الجمال؛ وعن أنس قال: قال: أناس: يا رسول الله، يا خيرنا
: " يا أيها(ص94) وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، فقال الناس أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عزَّ وجلَّ " 0
وعن عبد الله بن الشِّخِّير، قال: انطلقت في وفد بني عامر، إلى فقلت: أنت سيدنا، فقال: " السيد الله تبارك وتعالى " وعن عمر: أن رسول اللهالنبي قال: لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ".
معلماً لأصحابه هذا التوحيد، ومحذراً من الشرك، حتى أتاهمومازال وهم يتذاكرون الدجال، فقال: " ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: " الشرك الخفي، يقوم الرجل، فيصلي فيزين صلاته، لما يرى من نظر رجل "، وحتى قال: " لا تحلفوا بآبائكم، من حلف بالله فليصدق، ومن حلف له بالله فليرض، ومن لم يرض، فليس من الله " وحتى قال: " لا يقل أحدكم ما شاء الله وشاء فلان " وحتى قال " لا تقولوا لولا الله وفلان " وحتى قال: " لا يقل أحدكم عبدي و أمتي " وحتى قال: " من حلف بغير الله فقد أشرك أو كفر ".
وحذرهم من الشرك بالله، في الأقوال والأعمال، حتى قال: " إنما أنا بشر، يوشك أن يأتيني رسول ربي، فأجيب، وأنا تارك كتاب الله، فيه الهدى والنور، ومن تركه كان
(ص95) على الردي " ، وكل محدثه بدعة، وكلوحتى قال: " خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار" وحتى أنه لم يترك النهي عند الموت، والتحذير لنا من هذا الشرك، حتى قال: " اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " وحتى قال: " دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب " الحديث 0
وحتى حذرهم عن الكفر بنعمة الله، قيل هو قول الرجل: هذا مالي، ورثته عن آبائي، وقال بعضهم: هو كقوله: الريح طيبة، والملاح حاذق، ونحو ذلك؛ ولما ذكر شيخ الإسلام تقي الدين الأحاديث: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله " وكذلك حديث ابن عمر في الصحيحين " أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة " قال: إن الصلاة من حقها، والزكاة من حقها كما قال الصديق لعمر، ووافقه عمر، وسائرهم على ذلك، ويكون ذلك أنه إذا قالها قد شرع في العصمة، وإلا بطلت.
كلوقد قال النبي واحد من الحديثين، في وقت، ليعلم المسلمون: أن الكافر إذا قالها وجب الكف عنه، ثم صار القتال مجرداً إلى الشهادتين، ليعلم: أن تمام العصمة يحصل بذلك، لئلا يقع شبهة وأما مجرد الإقرار فلا يعصمهم على الدوام، كما وقعت لبعض الصحابة، حتى
(ص96) جلاها الصديق رضى الله عنه، ووافقه عمر.
وقال صاحب المنازل: شهادة أن لا إله إلا الله، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، هذا هو التوحيد الذي نفى الشرك الأعظم، وعليه نصبت القبلة، وبه حقنت الدماء والأموال؛ وانفصلت دار الإيمان من دار الكفر، وصحت به الملة للعامة وان لم يقوموا بحسن الاستدلال، بعد أن يسلموا من الشبهة، والحيرة والريبة، بصدق شهادة، صحيحها قبول القلب، وهذا توحيد العامة، الذي يصح بالشواهد، وهي الرسالة والصنائع، ويجب بالسمع، ويوجد بتبصير الحق، وينمو على مشاهدة الشواهد، والحمد لله رب العالمين.
هذه: كلمات في معرفة شهادة أن لا إله إلا الله، وأن
(ص85) محمداً رسول الله، وقد غلط أهل زماننا فيها، وأثبتوا لفظها دون معانيها، وقد يأتون بأدلة على ذلك، تلتبس على الجاهل المسكين، ومن ليس له معرفة في الدين، وذلك يفضى إلى أعظم المهالك 0
فمن ذلك قوله " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، فإذا قالوها، عصموا مني لما سئل عن شفاعته: من أحق بها يوم القيامةدماءهم وأموالهم " الحديث، وكذلك قوله : " من كان آخر كلامه لا؟ قال: " من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه " وقوله إله إلا الله دخل الجنة " وكذلك حديث عتبان: " فإن الله حرم على النار، من قال لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله " 0
وهذه الأحاديث الصحيحة، إذا رآها هذا الجاهل، أو بعضها، أو سمعها من غيره، طابت نفسه، وقرت عينه، واستفزه المساعد على ذلك، وليس الأمر كما يظنه هذا الجاهل المشرك، فلو أنه دعا غير الله، أو ذبح له، أو حلف به، أو نذر له، لم يرَ ذلك شركاً، ولا محرماً، ولا مكروهاً، فإذا أنكر عليه أحد بعض ما ينافي التوحيد لله، والعمل بما أمر الله، اشمأز، ونفر، وعارض بقوله: قال رسول الله، وقال رسول الله 0
وهذا: لم يدر حقيقة الحال، فلو كان الأمر كما قال، لما قال الصديق رضي الله عنه في أهل الردة: والله لو منعوني عناقاً، أو قال عقالاً، لقاتلتهمكانوا يؤدونه إلى رسول الله
(ص86) عليه، أفيظن هذا الجاهل أنهم لم يقولوا لا إله إلا الله ؟ 0
في الخوارج:وما يصنع هذا الجاهل، بقول رسول الله " أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم، فإنهم شر قتيل تحت أديم هذا، أنهم لمالسماء " أفيظن هذا الجاهل: أن الخوارج الذين قال فيهم رسول الله : " في هذه الأمة " – ولم يقل: منها – " قوم يحقريقولوا لا إله إلا الله ؟ وقال أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم " 0
وكذلك أهل حلقة الذكر، لما رآهم أبو موسى في المسجد، في كل حلقة رجل يقول: سبحوا مائة، هللوا مائة – الحديث – فلما أنكر عليهم صاحب رسول الله قالوا: والله ما أردنا إلا الخير؛ قال: كم من مريد للخير لم يصبه، إن رسول الله حدثنا " أن قوماً يقرؤون القرآن، لا يجاوز حلوقهم، أو قال تراقيهم " وأيم الله: لا أدري أن يكون فيكم أكثرهم، فما كان إلا قليلاً، حتى رأوا أولئك يطاعنون أصحاب رسول يوم النهروان، مع الخوارج؛ أفيظن هذا الجاهل المشرك، أنهم يشركون لكونهمالله يسبحون ويهللون ويكبرون ؟ 0
يجاهدون فيوكذلك المنافقون، على عصر رسول الله الصلوات الخمس، ويحجون معه،سبيل الله، بأموالهم، وأنفسهم، ويصلون مع رسول الله قال الله
(ص87) تعالى: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار) [النساء: 145] أفيظن هذا الجاهل، أنهم لم يقولوا لا إله إلا الله ؟ وكذلك قاتل النفس بغير الحق يقتل، أفيظن هذا الجاهل أنه لم يقل لا إله إلا الله، وأنه لم يقلها خالصاً من قلبه ؟
فسبحان من طبع على قلب من شاء من عباده، وأخفى عليه الصواب، وأسلكه مسلك البهائم والدواب، (إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا) [الفرقان: 44] حتى قال هؤلاء الجهلة، ممن ينتسب إلى العلم، والفقه قبلتنا من أمها لا يكفر 0
فلا إله إلا الله، نفي وإثبات الإلهية كلها لله: فمن قصد شيئاً من قبر، أو شجر، أو نجم، أو ملك مقرب، أو نبي مرسل، لجلب نفع، وكشف ضر، فقد اتخذه إلهاً من دون الله؛ مكذب بلا إله إلا الله، يستتاب، فإن تاب وإلا قتل 0
فإن قال: هذا المشرك، لم أقصد إلا التبرك؛ وإني لأعلم أن الله هو الذي ينفع ويضر، فقل له: إن بني إسرائيل ما أرادوا إلا ما أردت، كما أخبر الله عنهم، أنهم لما جاوزوا البحر: (فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة) فأجابهم بقوله: (إنكم قوم تجهلون) الآيتين [الأعراف: 138 – 139] 0
وحديث أبي واقد الليثي قال: خرجنا إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرةمع رسول الله
(ص88) يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول " الله أكبر، إنهاالله، اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله السنن، قلتم والذي نفسي بيده، كما قالت بنو إسرائيل لموسى (اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة) لتركبن سنن من كان قبلكم " وقال تعالى: (أفرأيتم اللات والعزى) [النجم: 19] وفي الصحيح عن ابن عباس، وغيره: كان يلت السويق للحاج، فمات، فعكفوا على قبره 0
فيرجع هذا المشرك، يقول: هذا في الشجر، والحجر، وأنا اعتقد في أناس صالحين، أنبياء، وأولياء، أريد منهم الشفاعة، عند الله، كما يشفع ذو الحاجة عند الملوك، وأريد منهم القربة إلى الله؛ فقل له: هذا دين الكفار بعينه، كما أخبر سبحانه بقوله: (والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) [الزمر: 3] وقوله: (ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله) [يونس: 18] 0
وقد ذكر أناساً يعبدون المسيح، وعزيراً؛ فقال الله: هؤلاء عبيدي، يرجون رحمتي، كما ترجونها، ويخافون عذابي، كما تخافونه؛ وأنزل الله سبحانه: (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً) الآيتين [الإسراء: 56 – 57] وقال تعالى: (ويوم يحشرهم جميعاً ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون، قالوا
(ص89) سبحانك) الآيتين [سبأ: 40 – 41] 0
والقرآن، بل والكتب السماوية، من أولها إلى آخرها: مصرحة ببطلان هذا الدين، وكفر أهله، وأنهم أعداء الله ورسوله، وأنهم أولياء الشيطان، وأنه سبحانه لا يغفر لهم، ولا يقبل عملاً منهم، كما قال تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) [النساء: 48] وقال تعالى: (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثوراً) [الفرقان: 23] وقال تعالى: (فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون) [البقرة: 22] قال ابن مسعود، وابن عباس: لا تجعلوا له أكفاء من الرجال، تطيعونهم في معصية الله، وقال : ما شاء الله وشئت، قال: " أجعلتني لله نداً ؟ قل: ما شاء الله وحده "رجل للنبي لأصحابه: " أخوف ما أخاف عليكم: الشرك الأصغر " فسئل عنه فقال: " الرياء "وقال 0
وبالجملة: فأكثر أهل الأرض، مفتونون بعبادة الأصنام، والأوثان، ولم يتخلص من ذلك إلا الحنفاء، أتباع ملة إبراهيم عليه السلام، وعبادتها في الأرض، من قبل قوم نوح، كما ذكر الله، وهي كلها، ووقوفها، وسدانتها، وحجابتها، والكتب المصنفة في شرائع عبادتها، طبق الأرض، قال إمام الحنفاء: (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) [إبراهيم: 35] كما قص الله ذلك عنهم في القرآن، وأنجى الرسل واتباعهم من الموحدين 0
أن بعث(ص90) وكفى في معرفة كثرتهم وأنهم أكثر أهل الأرض: ما صح عن النبي النار من كل ألف: تسعمائة وتسعة وتسعون، قال الله تعالى: (فأبى أكثر الناس إلا كفوراً) [الإسراء: 89] وقال: (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله) [الأنعام: 116] وقال: (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) [يوسف: 103] 0
ولما أراد سبحانه إظهار توحيده، وإكمال دينه، وأن تكون كلمته هي العليا، وكلمة الذين خاتم النبيين، وحبيب رب العالمين، وما زال في كل جيلكفروا هي السفلى، بعث محمداً مشهوراً، وفي توراة موسى، وإنجيل عيسى، مذكوراً، إلى أن أخرج الله تلك الدرة، بين بني كنانة، وبني زهرة فأرسله على حين فترة من الرسل، وهداه إلى أقوم السبل 0
من الآيات، والفكان له دلالات على نبوته، قبل مبعثه، ما يعجز أهل عصره، فمن : " أنا دعوة أبى إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي التي رأت، حين وضعتنيذلك قوله أنه خرج منها نور أضاءت له: بصرى من أرض الشام " 0
ليلة الاثنين، الثانيوولد عشر من ربيع الأول، عام الفيل، وانشق إيوان كسرى ليلة مولده، حتى سمع انشقاقه وسقط أربع عشرة شرفة، وهو باقٍ إلى اليوم آية من آيات الله، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك، وغاضت
(ص91) بحيرة: ساوة، وكانت بحيرة عظيمة، في مملكة العراق، عراق العجم، وهمدان، تسير فيها السفن، وهي أكثر من ستة فراسخ، فأصبحت ليلة مولده، يابسة ناشفة، كأن لم يكن بها ماء، واستمرت على ذلك، حتى بني مكان " ساوة " وباقية إلى اليوم.
وأرسلت الشهب على الشياطين، كما أخبر الله بقوله: (وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع) [الجن: 9] وأنبته الله نباتاً حسناً، وكان أفضل قومه مروة، وأحسنهم خلقاً وأعزهم جواراً، وأعظمهم حلماً، وأصدقهم حديثاً، حتى سماه قومه الأمين، لما جعل الله فيه من الأحوال الصالحة، والخصال المرضية 0
ووصل بصرى من أرض الشام، ، وأمر برده، فرده معمرتين، فرآه بحيرا الراهب فعرفه، وأخبر عمه أنه رسول الله بعض غلمانه، وقال لعمه: احتفظ به، فلم نجد قدماً أشبه من القدم الذي بالمقام من قدمه، واستمرت كفالة أبى طالب، كما هو مشهور، وبغضت إليه الأوثان، ودين قومه، فلم يكن شيء أبغض إليه من ذلك 0
من العقل والنقل، أماوالدليل على أنه رسول الله النقل: فواضح، وأما العقل: فنبه عليه القرآن؛ من ذلك: ترك الله خلقه بلا أمر، ولا نهى، لا يناسب في حق الله، ونبه عليه، في قوله: (وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به
(ص92) موسى نوراً وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم) [الأنعام: 91]0
ومنها أن قول الرجل: إني رسول الله، إما أن يكون خير الناس، وإما أن يكون شرهم، وأكذبهم، والتمييز بين ذلك سهل، يعرف بأمور كثيرة؛ ونبه على ذلك بقوله: (هل أنبئكم على من تنزل الشياطين، تنزل على كل أفاك أثيم) الآيات [الشعراء: 221- 223] ومنها: شهادة الله بقوله: (قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) [الرعد: 43] ومنها: شهادة أهل الكتاب بما في كتبهم، كما في الآية 0
ومنها: - وهي أعظم الآيات العقلية - هذا القرآن الذي تحداهم الله بسورة من مثله، ونحن إن لم نعلم وجه ذلك، من جهة العربية، فنحن نعلمها من معرفتنا بشدة عداوة أهل الأرض له، علمائهم، وفصحائهم، وتكريره هذا، واستعجازهم به، ولم يتعرضوا لذلك، على شدة حرصهم على تكذيبه، وإدخال الشبه على الناس؛ ومنها: تمام ما ذكرنا وهو: إخباره سبحانه أنه لا يقدر أحد أن يأتي بسورة مثله، إلى يوم القيامة؛ فكان كما ذكر، مع كثرة أعدائه في كل عصر، وما أعطوا من الفصاحة، والكمال، والعلوم 0
ومنها: نصرة من اتبعه، ولو كانوا أضعف الناس؛ ومنها: خذلان من عاداه، وعقوبته في الدنيا، ولو كانوا أكثر الناس وأقواهم؛ ومنها: أنه رجل أمي لا يخط، ولا يقرأ
(ص93) الخط، ولا أخذ عن العلماء، ولا ادعى ذلك أحد من أعدائه، مع كثرة كذبهم، وبهتانهم؛ ومع هذا: أتى بالعلم، الذي في الكتب الأولى، كما قال تعالى: (وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لا ارتاب المبطلون) [العنكبوت: 48].
وقال رحمه الله تعالى:
ولما بلغ أربعين سنة: بعثه الله (بشيراً ونذيراً)، (وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيرا) ولما أتى قومه بلا إله إلا الله، قالت قريش: (أجعل الآلهة إلهاً واحداً) قال الترمذي: حدثني محمد بن صالح، عن عاصم بن ثلاث سنين مستخفياً،عمرو بن قتادة، وزيد بن مروان، وغيرهم، قالوا: قام رسول الله ثم أعلن في الرابعة، فدعا عشر سنين، يوافي الموسم كل عام، فيقول: " أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، وتملكوا بها العرب، وتدين لكم بها العجم، فإذا متم كنتم ملوكاً في الجنة " وأبو لهب وراءه، يقول: لا تطيعوه، فإنه صابئي كذاب، فيردون عليه أقبح الرد 0
ولما أمره الله بالهجرة، هاجر، وأظهر الله دينه على الدين كله، وقاتل جميع المشركين، ولم يميز بين من اعتقد في نبي، ولا ولي، ولا شجر، ولا حجر؛ ومازال يعلم الناس التوحيد، ويقمع من دعاة الشرك: كل شيطان مريد، حتى أزال الله الجهل والجهال، وبان للناس من التوحيد ساطع الجمال؛ وعن أنس قال: قال: أناس: يا رسول الله، يا خيرنا
: " يا أيها(ص94) وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، فقال الناس أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عزَّ وجلَّ " 0
وعن عبد الله بن الشِّخِّير، قال: انطلقت في وفد بني عامر، إلى فقلت: أنت سيدنا، فقال: " السيد الله تبارك وتعالى " وعن عمر: أن رسول اللهالنبي قال: لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ".
معلماً لأصحابه هذا التوحيد، ومحذراً من الشرك، حتى أتاهمومازال وهم يتذاكرون الدجال، فقال: " ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: " الشرك الخفي، يقوم الرجل، فيصلي فيزين صلاته، لما يرى من نظر رجل "، وحتى قال: " لا تحلفوا بآبائكم، من حلف بالله فليصدق، ومن حلف له بالله فليرض، ومن لم يرض، فليس من الله " وحتى قال: " لا يقل أحدكم ما شاء الله وشاء فلان " وحتى قال " لا تقولوا لولا الله وفلان " وحتى قال: " لا يقل أحدكم عبدي و أمتي " وحتى قال: " من حلف بغير الله فقد أشرك أو كفر ".
وحذرهم من الشرك بالله، في الأقوال والأعمال، حتى قال: " إنما أنا بشر، يوشك أن يأتيني رسول ربي، فأجيب، وأنا تارك كتاب الله، فيه الهدى والنور، ومن تركه كان
(ص95) على الردي " ، وكل محدثه بدعة، وكلوحتى قال: " خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار" وحتى أنه لم يترك النهي عند الموت، والتحذير لنا من هذا الشرك، حتى قال: " اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " وحتى قال: " دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب " الحديث 0
وحتى حذرهم عن الكفر بنعمة الله، قيل هو قول الرجل: هذا مالي، ورثته عن آبائي، وقال بعضهم: هو كقوله: الريح طيبة، والملاح حاذق، ونحو ذلك؛ ولما ذكر شيخ الإسلام تقي الدين الأحاديث: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله " وكذلك حديث ابن عمر في الصحيحين " أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة " قال: إن الصلاة من حقها، والزكاة من حقها كما قال الصديق لعمر، ووافقه عمر، وسائرهم على ذلك، ويكون ذلك أنه إذا قالها قد شرع في العصمة، وإلا بطلت.
كلوقد قال النبي واحد من الحديثين، في وقت، ليعلم المسلمون: أن الكافر إذا قالها وجب الكف عنه، ثم صار القتال مجرداً إلى الشهادتين، ليعلم: أن تمام العصمة يحصل بذلك، لئلا يقع شبهة وأما مجرد الإقرار فلا يعصمهم على الدوام، كما وقعت لبعض الصحابة، حتى
(ص96) جلاها الصديق رضى الله عنه، ووافقه عمر.
وقال صاحب المنازل: شهادة أن لا إله إلا الله، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، هذا هو التوحيد الذي نفى الشرك الأعظم، وعليه نصبت القبلة، وبه حقنت الدماء والأموال؛ وانفصلت دار الإيمان من دار الكفر، وصحت به الملة للعامة وان لم يقوموا بحسن الاستدلال، بعد أن يسلموا من الشبهة، والحيرة والريبة، بصدق شهادة، صحيحها قبول القلب، وهذا توحيد العامة، الذي يصح بالشواهد، وهي الرسالة والصنائع، ويجب بالسمع، ويوجد بتبصير الحق، وينمو على مشاهدة الشواهد، والحمد لله رب العالمين.