المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : زينة المرأة المسلمة


أبوعبدالعزيز السلفي
01-11-2006, 10:34 PM
(بب)
زينــــــــــة
المـــــرأة المسلمة
بقلــــــم
عبد الله بن صالح الفوزان
دار المسلم
للنشر والتوزيع
مقدمة الطبعة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد:
فهذه رسالة في موضوع (زينة المرأة)، كانت في أصلها محاضرة ألقيتها ضمن المحاضرات التي ينظمها (مكتب الدعوة والإرشاد) في بريدة. فطلب مني عدد من الاخوة – جزاهم الله خيراً – طباعتها، وألحوّا عليَّ في ذلك، فأعدت النظر فيها، وزدت عليها زيادات كثيرة رأيتها مناسبة.
أسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل لوجهه خالصاً، ولعباده نافعاً. وصلى الله على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
المؤلـف
مقدمة الطبعة الثانية
بقلم: صالح بن عبد الله بن حميد
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . . وبعد:
فبين يديك أيها القارئ الكريم رسالة قيمة تحمل قضية من أهم القضايا المعاصرة وتعالج ركنا من أركانها إنها قضية المرأة ولباسها وزينتها.
لقد ابتلى عصرنا فيما ابتلى بغزو الغرب وفكره، وكان من كبير بلائه أن جعل من المرأة قضية يثيرها في كل مجتمع ونادٍ وسخر صنوف وسائل إعلامه لطرحها على نحو ما يشتهى. ووصل الحال أن قسم الناس على فريقين: إما عدو للمرأة وإما صديق لها.
سبحانك ربي: كيف يتصور عاقل أن يكون الإنسان عوداً لأمة وزوجته وابنته وأخته؟؟
أهكذا تنقلب الموازين وتختل المقاييس؟! إذا سلك مصلح أو نهج مخلص مسلك الضبط للتصرفات والمنع من المضرات بقصد المصلحة للفرد والمجتمع يصنف عدواً كاشحاً؟؟؟
هل علاقة الآباء بالأبناء عدوانية؟ أم بين الرؤساء والمرؤسين شحناء؟ وحال العسكريين مع المدنيين خصام؟
متى كانت الصداقة والعداوة موزونة بمجرد الاعطاء والمنع؟ وهل صديق من ترك الحبل على الغارب وأذن للتسيب والإهمال في التفشي؟
هل صديق من يتبنى أموراً تقود – جزماً وقطعاً – إلى الغواية والعناء؟
لا ثم لا . . إنه عدو ولو تحدث بأسلوب رقيق ناعم تسيل من خلاله الأهواء والشهوات.
ولكن ميزان الحق الأبلج ومعيار الصداقة الخالصة جلب الخير وتحقيق المصلحة وتقليل الشر ودرء المفسدة فصديقك من صدقك لا من صدَّقك.
إن موضوع الرسالة التي بين يديك إيضاح لمعايير الضبط والانضباط في اللباس والزينة وغايتها مستمدة من غاية دين الله في إقامة مجتمع طاهر الخلق سياجه، والعفة طابعه، والحشمة شعاره، والحياء دثاره. مجتمع لا تهاج فيه الشهوات ولا تثار فيه عوامل الفتنة. تضيق فيه فرص الغواية. وتقطع فيه أسباب التهييج والإثارة.
عفة لأهل الإيمان مؤمنين ومؤمنات تنبع من الدين وتظهر في السلوك.
من أجل هذا جاء أدب اللباس وأحكام الزينة ستراً واحتشاما ورفضاً للتهتك والعبث الماجن.
أما حجاب المرأة المسلمة وجلبابها على أي صفة كان عباءة أو ملاءة وعلى أي هيئة كان في ارتدائه سدلاً أو التحافاً. إنه في كل صفاته وهيئاته ما كان يوماً ما عثرة تمنع من واجب أو تحول دون وصول حق. بل لقد كان وما يزال سبيلاً قويماً يمكن المرأة من أداء وظيفتها بعفة وحشمة وطهر ونزاهة.
وتاريخ الأمة شاهد صدق لنساء فضليات جمعن بين الأدب والحشمة والستر والوقار والعمل المبرور دون أن يتعثرن بفضول حجابهن أو سابغ ثيابهن.
وإن في شواهد العصر من الفتيات المؤمنات متحجبات بحجاب الإسلام مستمسكات بهدى السنة والكتاب قائمات بمسئولياتهن خير ثم خير ثم خير من قرينات لهن شاردات كاسيات عاريات مائلات مميلات متبرجات بزينتهن تبرج الجاهلية الأولى أو أشد.
والعاقل المعصوم من الهوى يعلم علم اليقين وحق اليقين أن التقدم والتخلف له عوامله وأسبابه واقحام الستر والاحتشام والخلق والالتزام عوامل من عوامل التخلف إما أن يكون خدعة بان عراها وإما أن يكون انخداعا ساذجا ممن في قلبه مرض أو في فكره ضحالة.
ومن حكمة الله ولطفه أن الممسكين بأبواق السفور ليسوا قدوة كريمة في الدين والأخلاق وليسوا أسوة في الترفع عن دروب الفتن ومواقع الريب.
هذا جانب من القضية وجانب آخر مناظر ذلكم هو الخطل العظيم في الرأي، والفساد العريض في التصور حين يزعم زاعم أو يظن ظان أن المرأة حين تقر في بيتها وتلتزم قعر حجرتها تكون قعيدة لا عمل لها ويبقى عندهم نصف المجتمع معطلاً.
ما هذا إلا جهل مركب وسوء فهم غليظ، سوء فهم لمعنى الأسرة وجهل بطبيعة المجتمع الإنساني والتركيب البشري وتوزيع المسؤوليات.
ويكفي في المسألة وضوحاً وجلاءً أن يثور هذا التساؤل: من سيقوم بهذه المهمة إذا اشتغلت الأم عنها أو تشاغلت؟ هل سوف يهمل الأطفال؟ أو أنه سيقوم بذلك حاضنون من الرجال أو حاضنات من النساء؟ وهل هؤلاء الحاضنون والحاضنات لا يمثلون نسبة في المجتمع؟ وهل يقوم هؤلاء بما تقوم به الأم الرؤوم الحانية؟ وربِّك إن التقليل من شأن هذه المهمة إما جهل وقصور في التصور والإدراك أو أنه خيانة للأمة في أعز ما لديها وهم أبناؤها وبناتها.
ولئن كان الرجل هو الكادح في الأسواق والمسئول عن الإنفاق فإن المرأة هي المربي الحاني والظل الوارف للحياة كلما اشتد لفحها وقسا هجيرها.
ولئن غلب في الرجل البأس والقوة وجزالة الفكر وسلامة التقدير والتدبير فإن المرأة تذهب برقة الطبع ولطافة الحس وتوقد العاطفة وصبر المعاناة.
يا ترى من يقوم مقام الأم في ملاطفة وليدها ومداعبة صغيرها ورعايته في مدراج الطفولة تناغيه بألفاظها وتناجيه بلحاظها وتناديه بحركاتها.
تلكم هي القضية وهذه مباحث الرسالة التي بين أيديكم.
أما مرسلها ومسطرها فينبغي أن نعلم أن ليس كل من أمسك بالقلم فهو كاتب وليس كل من نظر في علم أو أخذ منه بطرف فهو عالم فالعلم والكتابة فن لا يتم على وجهه ولا يقوم على سوقه إلا إذا امتزج بنفس صاحبه اخلاصا ومعرفة وهدى ودعوة فصار ملكة راشدة راسخة تهتدي إلى الصواب وتتمسك به وتنشره وتميز الخطأ فتجنبه وتحذر منه.
العلماء والكتاب هم الرواد في ميادين الحياة ومساربها علماء يحسنون إمساك القلم كما يحسنون قراءة النصوص في نفس نزيهة وقلب سليم تسعد بهم الأمة ويسعدون بها.
وفي عصرنا الحاضر تحدد مسار العلم – في كثير من وجوهه وطرقه – في مسلك نظامي ينتظم مراحل تعليمية وشهادات موشاة مزركشة تؤهل حاملها ليتبوأ مركزاً قيادياً في الفكر والثقافة.
وكثير من هؤلاء – حملة الشهادات – كفتهم شهاداتهم مؤونة البحث والنظر فانتقصت بهم الأمة من أطرافها.
أما كاتب هذه الرسالة فأحسبه – والله حسيبه – من فئة الرواد الذين يحسنون إمساك القلم كما يحسنون قراءة النصوص في نفس نزيهة وقلب سليم. إنه رجل علم وشيخ عامة يقوم بعلمه ويتفرغ من أجله زيادة في التحصيل وقوة في العطاء والبذل مع تميز في الفهم وطول صبر ناهيك بحسن السمت ورعاية حق العلم. مرجع علم في الشريعة والعربية وقدح معلَّى في الفقه والأصول والنحو. له طلابه ومحبوه في نفسه متواضع وفي نفوسهم كبير زاده الله رفعة في الدارين وأصلح لنا جميعاً القول والعلم والعمل ووفق للإخلاص فيها إنه سميع مجيب. وصلى الله وسلم وبارك على خير خلقه نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
كتبه
صالح بن عبد الله بن حميد
مكة المكرمة
14/4/1414هـ
مقدمة الطبعة الثالثة
الحمد لله رب العالمين. وأصلي واسلم على نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهده. أما بعد . . .
فهذه هي الطبعة الثالثة لكتابي (زينة المرأة المسلمة) تقوم (دار المسلم) بطباعته الثالثة بعد نفاذ طبعته الثانية. مع الإقبال عليه. وقد راجعت الكتاب. وأدخلت ليه بعض الإضافات والتعديلات مع صياغة بعض المباحث صياغة جديد. وفيه ترجيحات لبعض المسائل خلت منها الطبعة السابقة( ).
أسأل الله تعالى أن يجعله خالصاً لوجهه نافعاً لعباده. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه . .
المؤلف
بريدة: 15/3/1418هـ
تمهيـــد
تعريف الزينة وأقسامها: الزينة: (بالكسر): ما يتزيَّن به. والزَّين: ضد الشَّين. وزان الشيء وزيَّنه: حسَّنه وزخرفه.
وتزَّين: تجمَّل في مظهره، وامرأة زائن: متزينة.
ويوم الزَّينة في قوله تعالى: موعدكم يوم الزينة [طه: 59]: يوم عيد، أو يوم سوق كانوا يتزينون فيه( ).
ومن هذه المعاني يتضح أن كلمة (الزينة) تطلق على ما يتزين به الإنسان مما يكسب جمالاً، من لباس وطيب ونحوهما قال تعالى: يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد [الأعراف: 31].
أي ثيابكم لستر عوراتكم عند كل عبادة من صلاة وطواف، وهي بهذا الستر زينة وجمال، فإن ستر العورة زينة للبدن، وكشفها يدع البدن قبيحاً مشوهاً.
ولفظ الزينة ورد في القرآن الكريم لمعان عدة منها:
1) الزينة النفسية: ويراد بها الصفات التي أمر بها الإسلام ورغّب فيها، وأولها صفة الإيمان، قال تعالى: ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزيّنه في قلوبكم وكرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان [الحجرات: 7].
فإذا تحقق الإيمان في القلوب نشأ عنه صفات تزيّن الإنسان: من التقوى، والعلم، والحياء، والصدق، والكرم، والشجاعة، والصبر، والحلم، والمروءة، والصلة، إلى غير ذلك من الصفات المحمودة، مما يطول استقصاؤه، ويتعسر استيفاؤه، وكلها نعم من الله تعالى على عباده لاشتمالها على سعادة الدارين.
وللمرأة نصيب وافر من الزينة النفسية المعنوية، متى اتصفت بالصفات الحميدة التي ترفعها إلى القمة السامقة، وابتعدت عن كل ما يشينها ويذهب بحيائها.
2) الزينة الخارجية: وما يدرك البصر، قال تعالى إنّا زيّنا السماء الدنيا بزينة الكواكب [الصافات: 6]. وقال تعالى: إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها [الكهف: 7] ويدخل في ذلك الأنعام، والأموال، والحرث، قال القرطبي: "والزينة: كل ما على وجه الأرض. فهو عموم، لأنه دال على بارئه"( ).
3) الزينة المكتسبة: وهي الخارجة عن الجسم المزين بها، قال تعالى: يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد [الأعراف: 31]. وقال تعالى: ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن [النور: 31]
وقد ورد في كلام العرب لفظ الزينة بهذا المعنى، قال الشاعر:
يأخذن زينتهن أحسن ما ترى وإذا عطلن فهن خير عواطل
وهناك زينة بدنية خلقية، وهي كل جمال خلقي في المرأة، كاعتدال القامة، وتناسق الأعضاء، وجمال البشرة وسعة العيون، ووجه المرأة هو أصل الزينة، وجمال الخلقة( ).
وعندما تتأمل لفظ الزينة الوارد في القرآن نجد أنه جاء مرة مفرداً. وجاء مضافاً.
فمما ورد إضافته قوله تعالى: قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده [الأعراف: 12] وإضافة الزينة إلى الله تعالى، لأنه – سبحانه – هو الذي خلقها وأحلها لعباده فحكمها إليه لا إلى غيره.
وجاء لفظ الزينة مضافاً على الحياة كما في قوله تعالى: واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا [الكهف: 28].
وهذا – والله أعلم – إشارة إلى أن هذه الزينة والمبالغة في تحصيلها من شأن غالباً أن يصرف الإنسان ويلهيه عن الاهتمام بشئون الآخرة يدل على ذلك قوله تعالى: المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملا [الكهف: 46].
قال الشنقيطي – رحمه الله -: "والمراد من الآية الكريمة تنبيه الناس للعمل الصالح، لئلا يشتغلوا بزينة الحياة من المال والبنين عما ينفعهم في الآخرة عند الله تعالى من الأعمال الباقيات الصالحات. . "( ). وجاء لفظ الزينة مفرداً غير مضاف في مثل قوله تعالى: والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة [النور: 60].
أقسام الزينة: للزينة المقصودة بهذا البحث تقسيمات ثلاثة:
الأول: من حيث نوعها: فتنقسم إلى زينة خلقية وزينة مكتسبة كما تقدم.
الثاني: من حيث استعمالها: فتنقسم إلى ثلاثة أقسام:-
1 زينة مباحة.
2) زينة مستحبة.
3) زينة محرمة.
وهذا تقسيم منظور فيه إلى الغالب، لأني قد أذكر شيئاً واجباً أو مستحباً تحت القسم الأول مثلاً، وقد يكون المباح مأموراً به أو منهياً عنه لسبب، وإلا فإن المباح في الأصل لا يتعلق به أمر ولا يتعلق به نهي، ولا يستلزم الثواب بنفسه، وإنما قد يرتفع بالنية إلى ما يثاب عليه.
فالطيب مباح للمرأة بشروطه، لكن قد تثاب عليه إذا قصدت إدخال السرور على زوجها.
فالزينة المباحة: كل زينة أباحها الشرع، وأذن فيها للمرأة، مما فيه جمال، وعدم ضرر بالشروط المعتبرة في كل نوع، ويدخل في ذلك: لباس الزينة، والحرير، والحلي، والطيب، ووسائل التجميل الحديثة.
والزينة المستحبة: كل زينة رغّب فيها الشارع، وحث عليها، ويدخل في القسم سنن الفطرة: كالسواك، ونتف الإبط، ونحو ذلك مما سيأتي إن شاء الله، وأدخلت تحت هذا القسم خضاب اليدين.
والزينة المحرمة: وهي كل ما حرم الشرع وحذر منه، مما تعتبره النساء زينة سواء نص عليه الشارع، كالنمص ووصل الشعر، أو كان عن طريق التشبه بالرجل، أو بالكفار.
وفاعل المباح لا يثاب، ولا يعاقب، ما دام المباح باقياً على أصل الإباحة، فإن كان المباح وسيلة فحكمه حكم ما كان وسيلة إليه.
فالطيب مباح، لكن إن كان وسيلة لإدخال السرور على الزوج فكلما تقدم، وإن كان لقصد أن يشمّ الرجال الأجانب شذى عطرها صار محرّماً.
وفاعل المندوب أو المستحب يثاب إذا فعله امتثالاً، ولا يعاقب على تركه وفاعل المحرم يستحق العقاب، لكن إن تركه امتثالاً فهو مثاب.
التقسيم الثالث للزينة: من حيث إخفاؤها وإظهارها، فهي قسمان:
1) زينة ظاهرة.
2) وزينة باطنة: وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله.
زينة المرأة بين الحقيقة والواقع
عُني الإسلام بزينة المرأة عناية عظيمة، جاء ذلك مفصلاً في كتاب الله وسنة رسوله - - تفصيلاً لها القواعد والضوابط التي تجعل تلبي فطرة المرأة، وتناسب أنوثتها من جهة، وتحفظها في مسارها الصحيح بلا إفراط ولا تفريط من جهة أخرى.
اهتم الإسلام بزينة المرأة اهتماماً جاء ذلك في كتاب الله وسنة رسوله - - مفصلاً تفصيلاً دقيقاً، فوضعت لها القواعد والضوابط التي تجعل الزينة تلبي فطرة المرأة، وتناسب أنوثتها من جهة، وتحفظها في مسارها الصحيح بلا إفراط ولا تفريط من جهة أخرى.
اهتم الإسلام بزينة المرأة ولباسها وزيها أكثر من اهتمامه بزينة الرجل ولباسه، وما ذلك – والله أعلم – إلا لأن الزينة أمر أساسي بالنسبة للمرأة، حيث إن الله تعالى فطرها على حب الظهور بالزينة والجمال، ولهذا رخّص للمرأة في موضوع الزينة أكثر مما رخّص للرجل، فأبيح لها الحرير، والتحلي بالذهب دون الرجل، كما قال النبي - -: "حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي وأحل لإناثهم"( ).
فالزينة – بالنسبة للمرأة – تعتبر من الحاجيات إذ بفواتها تقع المرأة في الحرج والمشقة لأن الزينة تلبية لنداء الأنوثة، وعامل أساسي في إدخال السرور على زوجها، ومضاعفة رغبته فيها ومحبته لها.
وأمر آخر، وهو أن المرأة يجب أن تصان وتحفظ بما لا يجب مثله في الرجل، وهذه الزينة متى فقدت المسار الصحيح والاتجاه المرسوم، صارت من أعظم أسباب الفتنة والفساد.
فلا غرو أن يهتم الإسلام بزينة المرأة، ويضع لها القيود والشروط في اللباس والحلي والطيب ونحوها، ويزودها بالوصايا النافعة، والآداب السامية، التي ترشدها إلى الطريق المستقيم، والاتجاه السليم، الذي يكفل سعادتها، ويحفظ لها كرامتها وعفتها. وهذا الباب من أبواب حفظ الإسلام للمرأة.
إن الإسلام رفع شأن المرأة، وأعلى قدرها، وحفظ لها كرامتها، وجعل لها من الاحترام والتقدير والثواب على العمل الصالح مثل ما للرجل، قال تعالى: من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينّهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون [النحل: 97].
وروى أبو داود في سننه أن أم هانئ بنت أبي طالب أجارت رجلاً من المشركين يوم الفتح: فأتت النبي - - فذكرت ذلك له، فقال: "قد أجرنا من أجرت وأمّنا من أمنت"( ).
أحاطها الإسلام بالستر والحفظ والعفاف ستراً في الملابس، وتحريماً للخلوة بالأجنبي، وغضا للطرف، وقراراً في المنزل حتى في الصلاة، وبعداً عن الإزراء بالقول والإشارة، وكل مظاهر الزينة، وبخاصة عند الخروج لحاجتها، كل ذلك لتبقى المرأة في المجتمع المسلم درة مصونة، لا تطمح فيها أعين الناظرين، ولا تمتد إليها أيدي العابثين.
هذه هي الحقيقة . . فما الواقع؟
الواقع مؤسف حقاً !! لم تعد كثير من نسائنا اليوم متقيدات بتعاليم الإسلام في موضوع الزينة! المرأة اليوم تجيد التقليد والمحاكاة! سريعة التأثر بتلك الدعايات الخبيثة، والشعارات البراقة، التي توهم أنها في صالح المرأة، وأنها تدافع عن المرأة! وأنها تسعى إلى تحرير المرأة!!
إنها مسخ للمرأة! وقضاء على عفتها! وعتك لحرمتها! وهي تحرير لها من عقيدتها وخلقها! وتحريض لها على الخروج من بيتها! والتخلص من الحجاب! وترك العفة والتصون! والاختلاط بالرجل! والتشجيع على العري والملابس المثيرة! والملاحقة العمياء للمبتكرات المستحدثة (الموضة) وما إلى ذلك مما صاغوه في قالب التطور! والتقدم! ومسايرة ركب الحضارة!!
ولم تجد هذه الداعيات الخبيثة ومخططات التضليل، ميداناً أكثر تأثيراً على المرأة من ميدان الزينة؛ لأنها تدرك مدى أهمية الزينة في نظر المرأة، فقامت مؤسسات كبرى لتصميم الأزياء التي هي بعيدة عن الحشمة والستر والعفاف، بل هي إلى الفتنة والإثارة والإسراف أقرب، ثم التفنن في أدوات التجميل تلاعباً بعقل المرأة، وابتزازاً لمالها! وإفساداً لجسمها! وسخرت لذلك كله: الأفلام، والصور، والروايات، والقصص، والمجلات، والصحف: دعاية وتضليلاً، لإفساد الفطرة، وإشاعة الانحلال، وصارت المرأة لعوبة في أيدي مصممي الأزياء، ووسائل التجميل.
ومن مكر القوم هذا التغير المذهل في صنوف الأقمشة، وأدوات الزينة، ليكون من وراء ذلك الإسراف في الاستهلاك لهذه الكماليات!
فانطلقت كثير من النساء متأثرات بهذا الواقع المرير، لاهثات وراء المرأة الغربية، معجبات بما هي عليه من حالة لا تحسد عليها، نبذت كتاب الله تعالى، وسنة رسوله - - فيما يتعلق بموضوع الزينة، والستر، والعفاف، عن علم وعناد ومسايرة لنساء الجاهلية المعاصرة، اللاتي تلقين عن تلك الدعايات أن هذا تقدم ورقي وتجديد!!
هذا واقع كثير من النساء اليوم! لباسهن وزينتهن لا يمت إلى الإسلام بصلة، لا من قريب ولا من بعيد! اللباس قصير . . شفاف . . يصف مفاتن جسمها . . نشرت شعرها . . عبثت بحواجبها . . بعينها . . سفرت عن وجهها . . تتطيب إذا خرجت . . تحسر عن ذراعيها . . عن ساقيها . . ترفع عباءتها فوق عجيزتها . . تسرف في اللباس . . في الحلي . . في الزينة . . تخضع بالقول ليطمع الذي في قلبه مرض . . تنظر للرجال نظرات فاتنة . . إلخ.
هل هذا من الإسلام؟
كلا . . الإسلام أباح لها الزينة بشروط .. وحفظ لها كرامتها . . وأراد أن تكون وسيلة إصلاح . . زوجة مطيعة . . وأماً مربية لأجيال الغد المشرق بإذن الله، ويكفيها عزاً أن رسول الهدى،  قال: "استوصوا بالنساء خيراً"( ).
فهيا- أختي المسلمة – إلى أحكام الإسلام، وآداب الشريعة الربانية، فهي الحصن المنيع الواقي لك من الفتن والمصائب، والكفيلة لك بسعادة الدنيا والآخرة. .
لماذا زينة المرأة
في العالم الإسلامي من يقوم بمهمة إفساد المرأة، والقضاء على ما بقى في بعض البلاد من محافظة وعفاف، إذ تقوم حملات تشكيك موجهة ضد المرأة المسلمة في موضوعات شتى: في الحجاب . . في الزينة واللباس . . في الاختلاط . . في العمل . . في التعدد . . في القوامة .. إلخ.
ومن هنا لزم المسلمين – ولا سيما الدعاة – أن يتنبهوا لهذا الواقع المخيف، الذي ينذر بفساد المجتمع بأسره . . وأن يتكلموا . . وأن يكتبوا . . لإنقاذ المرأة المسلمة مما يراد بها، ويحاك ضدها، من قبل أعداء الإسلام ومن يتكلمون بلسانهم، ويتنفسون برئتهم من الرجال والنساء على حد سواء.
وإن من الإنصاف في القول والثناء على الله تعالى، ما رأيته أخيراً من عودة المرأة المسلمة إلى شرع ربها، وتعاليم دينها، مما يختلف كثيراً عما هي عليه منذ سنوات، بدليل كثرة أسئلتها، ومحبتها للاستفسار عن موضوعات تتعلق بها، مما يؤكد أهمية إضاءة الطريق أمامها، لتعرف أحكام دينها، وتدرك رسالتها ومسؤوليتها، وتتحقق مما عليه تلك الدعايات من المكر والخداع!
وبالرغم من كثرة ما كتب حول المرأة إلا أن الوضع يحتاج إلى مزيد من العناية والجد، نظراً لقوة التيار المقابل.
أقول: لهذا الأمر، ولوجود مخالفات كثيرة عند نسائنا في موضوع الزينة – بعضها نتيجة التشبه . . وبعضها سببه الجهل . . وبعضها سببه الإسراف – آثرت البحث في هذا الموضوع، لعلي أكون قد أسهمت في إرشاد المرأة المسلمة على قدر ما عندي من علم وجهد، - وإن كان ذلك قليلاً – ولكن مع تضافر الجهود يكون كثيراً ونافعاً بإذن الله تعالى . .
توجيهات الإسلام في موضوع الزينة
هناك توجيهات ووصايا في موضوع الزينة دلت عليها النصوص الشرعية، ولا ريب أن الأخذ بهذه الوصايا والآداب سعادة للمرأة المسلمة، وصلاح للمجتمع بأسره، وأرجو ألاّ يغيب عن بال المرأة أن امتثال أوامر الشرع تثاب عليه متى كان ذلك طاعة لله ولرسوله - - وأن تركها الواجبات أو فعلها المحرمات يجعلها تستحق العقاب. .
ولنذكر بعضا من هذه التوجيهات في موضوع الزينة:
1)مراعاة الضوابط التي حددها الإسلام:
حدد الإسلام شروطاً في موضوع زينة المرأة: كاللباس، والحلي، والطيب، فلابد أن تكون المرأة المسلمة في هذه وغيرها واقفة عند حدود الشرع، تنفذ الأوامر، ولا تقرب النواهي، وهذا من مقتضيات الإيمان، ومن علامات استقامة القلب والجوارح، وهو دليل على سعادة المرء في دنياه وأخراه.
وفيما شرعه الإسلام الكفاية والمصلحة دون التطلع إلى روافد أخرى، قال تعالى اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً [المائدة: 3].
وهذه الشروط سنفصلها – إن شاء الله تعالى – في هذا الكتاب إذ هي من الأهمية بمكان.
2) عدم الإسراف في مطالب الزينة:
وهذا ضابط مهم أفردته لذلك وإلا فقد يقال أنه داخل في عموم ما قبله فأقول: يمنع الإسلام الإسراف في كل شيء . . ومنه الإسراف في مطالب الحياة. والجري وراء شهوات الدنيا ولذاتها . . مما يسبب فساد الأمم، وخراب الديار.
ولا جدال في أن ظاهرة الإسراف في الزينة موجودة . . إسراف في الملابس، إسراف في الحلي . . إسراف في أدوات التجميل . . إسراف في متابعة المستحدثات المستجدات. والإسلام ينهى عن ذلك كله. . فهو ينهى عن الإسراف في الأكل، والشرب، وينهى عن الإسراف في الإنفاق .
قال تعالى: وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين [الأعراف: 31] ويذكر – تعالى – من صفات عباد الرحمن: والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً [الفرقان: 67].
وقال النبي - - "كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة"( ).
قال في فتح الباري: "والإسراف: مجاوزة الحد في كل فعل أو قول وهو في الإنفاق أشهر"( ).
وقال المقري في قواعده: في تعريف السرف: "وهو الزيادة على مقدار الضرورة والحاجة وما أذن فيه من التكملة"( ).
والإسراف يكون في كثرة الإنفاق، ويكون بالإنفاق من الحرام، ويكون فيما أنفق في غير وجهه المأذون فيه شرعاً وهذه الأحوال يختلف حكمها.
والله تعالى امتـن على عباده بالمال، وجعله قياماً لمصالحهم، ووضع الضوابط لاستبقاء المال كما وضع القيود لإنفاقه. فصاحب المال ليس حراً في غل يده كما يشاء، أو في الإنفاق والتبذير كما يريد، فاليد المغلولة كاليد المسرفة، كلتاهما لا يقبلها الإسلام؛ لأن في ذلك ضرراً على النفس والمجتمع. قال تعالى: ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً [الإسراء: 29]
إن الإسراف أمر يكرهه الإسلام، كما يكره الشح والبخل، يكره البخل لأنه حرمان للنفس مما أباح الله لها من طيبات الحياة، وهو سوء ظن بالله تعالى، كما أنه ضعف في النفس، وفقر شائن.
ويكره الإسراف، لأن الله تعالى جعل المال قياماً لمصالح العباد الدينية والدنيوية، ومن شكر نعمته صرف المال فيما أذن فيه من المنافع، وفي الإسراف والتبذير تفويت لتلك المصالح، إما في حق مضيعها، وهذا ضرر على النفس، أو في حق غيره وهذا ضرر على الآخرين، والإسراف سوء تصرف ينبئ عن الأثرة والأنانية، لا يبالي صاحبه إن اجتاحت المجتمع فاقة ما دام هو يمرح في الثروة والغنى! ولا يتألم إن هلك المجتمع جوعاً ما دام قد أغفلته التخمة. ولا يحس إن عري الناس ما دام متابعاً للحديث من المركب والأثاث واللباس!
يقول الله تعالى: وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيراً إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفوراً [الإسراء: 26-27].
قال البخاري: قال ابن عباس – رضي الله عنهما -: "لا تبذر": لا تنفق بالباطل( ).
وأخرجه ابن جرير من طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس قال: لا تنفق بالباطل فإن المبذر هو المسرف في غير حق.
وأخرجه ابن جرير – أيضاً – من طريق عكرمة ومن طريق العوفي عن ابن عباس قال: المبذر: المنفق في غير حقه.
وهكذا قال ابن مسعود وقتادة: إن التبذير إنفاق المال في غير حقه( ).
قال أهل اللغة: وهو مأخوذ من تفريق البذر، وإلقائه في الأرض كيفما كان من غير تعهد لمواقعه( )
وعن المغيرة بن شعبة – رضي الله عنه – أن النبي - - قال: "إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعاً وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال( ).
قال النووي في رياض الصالحين: "وإضاعة المال: تبذيره وصرفه في غير الوجوه المأذون فيها من مقاصد الآخرة والدنيا، وترك حفظه مع إمكان الحفظ( ).
هذه نصوص من الكتاب والسنة، تنهى عن الإسراف، وتكره التبذير، وتحث على الاقتصاد والتوسط، فعلى المسلم أن يراقب الله تعالى في هذا المال الذي أعطاه، فيقوم بشكر ربه المنعم، ومن شكره ألا يصرفه في غير ما أذن له فيه، ولا يسرف في مأكله ومشربه وملبسه ومسكنه، وعليه أن يلزم الاقتصاد وحين التدبير.
قليل المـال تصلحه فيبقـى ولا يبقـى الكثيـر مع الفساد
لكن الواقع بخلاف ذلك . .
لقد كثر المال بأيدي جمع من النساء، إما بسبب مرتب تتقاضاه أو لأنها تحت زوج منفق، أو لها أب غني يبذل المال بغير حساب، فهي تبدد هذه الأموال بلا روية ولا تفكر! اهتمامها ورغبتها في تنويع اللباس والحلي ووسائل التجميل! بل من النساء من تحب التغيير في الأمتعة والأثاث متابعة للحديث! وهذا شاهد على نقصان عقلها، ونقصان عقل من يقرها على هذا التبذير، وسوء التدبير.
إن كلاّ من المسلم والمسلمة مطالب في ماله بحقوق وواجبات ومندوبات: من زكاة، وصدقة، وصلة للأرحام، ومشاركة في سبيل الخير، ومشاريع البر، وإن الإنفاق في هذه الوجوه دلالة واضحة على التطهر من الشح والتقتير، ودليل على الشعور بمرحمة الناس، والوفاء بحق المال، وشكر المنعم على فضله وعطائه.
إن هذه الأموال التي تبددها كثير من النساء هي عون لأصحاب المقاصد الفاسدة ممن يقف وراء معامل الأقمشة الأجنبية، وبيوت الأزياء، ووسائل التجميل، ممن يضعون في حسابهم إفساد المرأة قبل نهب مالها، عن طريق تصميم الأزياء، واختراع أدوات التجميل التي تجعل المرأة ألعوبة بأيديهم! فهي لا تفكر إلا بعقولهم، ولا تلبس إلا ما يريدون، ولا تتزين إلا بما يخترعون، فلعبوا بعقلها وضيعوا مالها، وقضوا – بمكرهم – على عفتها وحيائها!
إنني أدعو المرأة المسلمة أن تراجع حسابها في مجال الإنفاق على وسائل الزينة، وتتذكر أن الإسراف والنفقات الباهظة في هذه الكماليات، وإرهاق الأب أو الزوج بتكاليفها، أمر ينبذه الإسلام ويحذر منه، وعليها أن تجعل للتكامل الاجتماعي وصلة الأقارب والإسهام في طرق الخير، نصيباً فيما أعطاها الله من المال، وهذا من شكر المنعم، وبالشكر تدوم النعم.
3) إضاعة الوقت في الزينة:
الوقت هو الحياة . . وهو سريع الانقضاء . . وما مضى منه لا يرجع ولا يعوض بشيء! والمسلم والمسلمة كل منهما مطالب بحفظ وقته، كحفظ ماله، بل أشد! فعلى المسلم أن يحرص على الاستفادة من عمره، وصرف وقته فيما يرجو نفعه، وإن قتل الوقت قتل للنفس، لأن الوقت هو حياة الإنسان. وقد تواترت النصوص في الحث على الاستفادة من ساعات العمر قبل الفوات.
وإن المرأة التي تمضي الساعة تلو الساعة أمام المرآة، لتجميل وجه، وتسريح شعر وما إلى ذلك، هي ممن أضاع الوقت، وفرط في العمر، إن الإسلام جعل الزينة وسيلة لا غاية، وسيلة لتلبية نداء الأنوثة في المرأة، وللظهور أمام زوجها بالمظهر الذي يجلب المحبة، ويديم المودة، ولكن يجب أن يكون ذلك بقدر معين في النوع والوقت والمال.
وكم من فائدة تحوزها المرأة لو أنفقت أوقاتاً تقضيها في الزينة أو التجمل المزيف في فعل طاعة وواجب رعاية وحفظ حق، أو عمل صالح, تجد ذخره عند الله تعالى إذا خلصت نيتها وحسن مقصدها.
وكما أن إضاعة الوقت في الزينة أمر لا يرضاه الإسلام، فكذلك لا يرضى إضاعته في البحث عن وسائل الزينة، ومتابعة المستحدثات، وكثرة ارتياد الأسواق.
4) الزينة للزوج:
الزينة المتناسقة مع الفطرة، ومع التكوين العام للمرأة أمر لا يمنعه الإسلام، بل يحث عليه ويرغب فيه، والمرأة المسلمة مطالبة بأن تكون زينتها لشريك حياتها – وهو الزوج – فعليها أن تظهر أمامه بالمظهر اللائق: في حسن الملبس، وطيب الرائحة، وحسن العشرة؛ لأن ذلك سبب اجتلاب المودة بين الزوجين ودوام المحبة والوئام.
ولتحذر المرأة المسلمة من التجمل لغير زوجها، وبذل الوقت لتجميل بشرة، وتسريح شعر، ثم يعقب ذلك خروج لحفلة زواج، أو مناسبة من المناسبات، ثم هي تهمل مظهرها أمام زوجها، وتتبذل أمامه، ولا تبالي بما هي عليه من هيئة رثة أو رائحة كريهة! هذا من سوء العشرة الزوجية، ومن التقصير في حق الزوج.
وقد ورد عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قيل يا رسول الله: أي النساء خير؟ قال: "التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ولا مالها بما يكره"( ).
قال السندي: "تسره إذا نظر: أي لحسنها ظاهراً، أو لحسن أخلاقها باطناً، ودوام اشتغالها بطاعة الله والتقوى". ا. هـ( ).
فينبغي للمرأة التي ترجو ثواب الله تعالى في رضا زوجها، أن تهتم بمظهرها، وأن يكون لجلوسها مع زوجها وقت الراحة ثياب غير ثياب المطبخ، والعمل في البيت، وكما تهتم بمظهرها كذلك تعنى بمظهر أولادها، ولا سيما الصغار من تنظيف ثيابهم وأبدانهم؛ لأن ذلك من أهم الأسباب التي تجلب الراحة للأب، فيقبل على مداعبتهم، وملاطفتهم، والأنس بهم، وكذلك تعتني بنظافة بيتها فلا تقع عين زوجها إلا على كل حسن نظيف.
ولا ننسى أن نوصي الزوج – أيضاً – بحسن العشرة، والظهور أمام زوجه بالمظهر اللائق، في جمال الهيئة وطيب الرائحة، وقيام كل منهما بحقوق الزوجية يديم الألفة، ويحقق السعادة لهما ولأولادهما بمشيئة الله.
5) لا يطرق المسافر أهله ليلاً:
وهذا وإن كان ظاهره أنه خاص بالرجل، إلا أن المراد به المرأة كما سيتضح إن شاء الله.
فمن تعاليم الإسلام في موضوع الزينة، نهي المسافر الذي طالت غيبته عن زوجته أن يطرق باب أهله ليلاً، وما ذلك إلا خشية أن يقع نظره على ما يكره من عدم تزيّن امرأته وتنظفها، فيؤدي ذلك إلى نفرته منها، وهو مشتاق إليها، راغب فيها!
فعن جابر – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله - -: "إذا أطال أحدكم الغيبة فلا يطرق أهله ليلاً"( ) وعنه – أيضاً – قال: "نهى الرسول - - أن يطرق أهله ليلاً"( ).
قال أهل اللغة: الطروق بالضم: المجيء بالليل من سفر أو غيره على غفلة، ويقال لكل آت بالليل: طارق ولا يقال بالنهار إلا مجازاً، وعلى هذا فيكون ذكر الليل في الحديث من باب التأكيد لرفع المجاز( ).
وعن أنس – رضي الله عنه – "أن رسول الله - - كان لا يطرق أهله ليلاً، وكان يأتيهم غدوة أو عشية"( ).
وجاء عن جابر – أيضاً – رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله - - في غزاة، فلما قدمنا المدينة ذهبنا لندخل، فقال: "أمهلوا حتى ندخلها ليلاً أي عشاء كي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة"( ).
والشعثة: بفتح المعجمة وكسر العين المهملة ثم مثلثة. هي المغبرة الرأس المنتشرة الشعر، أطلق عليها ذلك لأن التي يغيب زوجها في مظنه عدم التزين، ومعنى (تستحد) أي تستعمل الحديدة وهي الموسى لإزالة الشعر عنها، وعبر الاستحداد، لأنه الغالب في إزالة الشعر. وليس في ذلك منع إزالته بغيره، و(المغيبة) بضم الميم وكسر المعجمة، وبعدها ياء ساكنة ثم موحدة مفتوحة، هي التي غاب عنها زوجها( ).
وهذا الحديث لا يعارض قوله - -: "فلا يطرق أهله ليلاً" لأن قوله: "أمهلوا حتى ندخلها ليلاً"، محمول على من علم أهله بقدومه، لأنهم أرادوا الدخول في أوائل النهار بغتة فأمرهم بالصبر إلى آخر النهار، ليبلغ قدوم القفل أو العسكر إلى المدينة، وتتأهب النساء وغيرهن، وأما قوله: "فلا يطرق أهله ليلاً" فهو محمول على من قدم بغتة بدليل قوله - - فيما أخرجه مسلم والنسائي: "نهى أن يطرق الرجل أهله ليلاً يتخونهم أو يلتمس عثراتهم"( ).
وهذا الجمع اختاره الشوكاني – كما في نيل الأوطار –( ).
أو يقال: إن حديث جابر في الدخول أول الليل لقوله: "حتى ندخلها ليلاً أي عشاء" ويدل عليه قول أنس – رضي الله عنه -: "كان النبي - - لا يطرق أهله كان لا يدخل إلا غدوة أو عشية".
قال الجوهري: "العشية من صلاة المغرب إلى العتمة، وقيل هي من حين الزوال".
قال الحافظ في فتح الباري: "والمراد هنا الأول" ا هـ. وعلى هذا يكون حديث النهي محمولاً على الدخول أثناء الليل، والله أعلم( ).
فينبغي للمسلم أن يأخذ بهذا الأدب الإسلامي الرفيع. الذي أرشد إليه النبي - - وقد علم من قوله: "إذا أطال أحدكم الغيبة" أن الذي لم يطل الغيبة لا يتناوله النهي، لأن الحديث فيه التقييد بطول الغيبة، فهي علة النهي، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً في الغالب، ولما كان يخرج نهاراً ويعود ليلاً لا يتأتى له ما يحذر من الذي يطيل الغيبة كان طول الغيبة مظنة الأمن من الهجوم، فيقع الذي يهجم بعد طول الغيبة غالباً على ما يكره من عدم التنظيف والتزين المطلوب في مثل هذه الحال، وهذا أمر محسوس( ).
ومن أعلم أهله بقدومه في وقت كذا برسالة أو مكالمة في هاتف أو خبر، فإن النهي لا يتناوله لزوال المحذور والله أعلم.
قال ابن أبي جمرة "فيه النهي عن طروق المسافر أهله على غرة من غير تقدم إعلام منه لهم بقدومه . ."( ).
الفصل الأول: الزينة المباحة
1) اللبـاس
اللباس نعمة عظيمة، يستر أعضاء مخصوصة من جسد الإنسان، ويحفظه دون عاديات الجو وتقلباته، إضافة إلى أنه زينة وجمال. قال تعالى: يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سواءتكم وريشاً ولباس التقوى ذلك خيرً [الأعراف: 26]. فامتـن الله تعالى على عباده بما يسر لهم من اللباس البدني الضروري الذي تستر به العورة، واللباس التكميلي الذي هو زينة وجمال، يتجملون به في أعيادهم ومناسباتهم.
ثم ذكر سبحانه اللباس المعنوي، لباس التقوى، وهو خير من اللباس البدني لأن من أتقى الله تعالى ولزم طريق الاستقامة، فاز بسعادة الدنيا والآخرة( ).
وما أحسن قول الشاعر:
إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى تقلب عرياناً وإن كان كاسياً
وخيـر لباس المرء طاعة ربـه ولا خيـر من كان لله عاصياً
ومن هنا تعين على كل مسلم ومسلمة أن يراعي تقوى الله تعالى، فلا يلبس لباسً محرماً عليه – وإن كان جميلاً – فلباس التقوى خير وأبقى وأنقى( ).
والإسلام دين الفطرة لا يسلك في كل شأن من شئون الحياة إلا ما يوافق الفطرة، ويحقق السعادة في الدنيا والآخرة، لذا لم يقرر الإسلام نوعاً خاصاً من اللباس لا يجوز تخطيه، بل اعترف بشرعية كل لباس، لكل أمة، لكل بلد، ما دام متفقاً مع المبادئ الإسلامية، والقواعد الشرعية التي حددها الإسلام في موضوع اللباس، لباس الرجل ولباس المرأة على حد سواء.
شـروط اللبـاس
لقد حدد الإسلام الشروط والضوابط التي يجب على المرأة المسلمة أن تتقيد بها في موضوع اللباس، وهذه الشروط تنقسم إلى قسمين:
الأول: ما يتعلق بتفصيل اللباس وهيئته على البدن.
الثاني: ما يتعلق بنوعية اللباس.
ونحن – الآن – نتكلم – بعون الله تعالى – على كل قسم بشيء من التفصيل فنقول:
القسم الأول: ما يتعلق بتفصيل اللباس
ونعني بذلك الخياطة، فلابد أن تكون خياطة لباس المرأة موافقة لما حدده الإسلام في هذا المجال، ثم في وضعه على البدن، وذلك بمراعاة الشروط الآتية:
الشرط الأول: أن يستوعب اللباس جميع البدن
وذلك ليكون ساتراً للعورة، وللزينة التي نهيت المرأة عن إبدائها، فإن القصد الأول من اللباس هو الستر ثم الزينة، ولباس المرأة لابد أن يكون ساتراً لوجهها وكفيها وقدميها وسائر جسمها – إذا كانت خارج الصلاة وبحضرتها أجانب – قال تعالى: ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها [النور: 31].
والنهي عن إبداء الزينة نهي عن إبداء مواضعها من باب أولى، ولولا اللباس لظهرت مواضع الزينة: من الصدر، والذراع، والقدم ونحوها فعلى المرأة المسلمة مراعاة ما يلي:
أولاً: أن يكون اللباس ساتراً لبدن المرأة – ومنه الوجه والكفان والقدمان والساقان – وعلى هذا فلابد أن تلبس المرأة ما يستر كل ذلك إذ قد يظهر شيء منه، لا سيما عند ركوبها للسيارة ونزولها منها، أو دخولها أماكن تضطر فيها على صعود سلالم، فتظهر زينتها وتحصل الفتنة بها.
ثانياً: وينبغي للمرأة لبس القفازين لستر الكفين، ويجوز استعمال البرقع إذا كان يستر الوجه ما عدا العينين أو إحداهما لحاجة الإبصار، ويدل لذلك قول عائشة رضي الله عنها في المرأة المحرمة: "لا تتبرقع، ولا تلبس ثوباً بورس أو زعفران"( ).
وما ورواه مالك عن نافع عن ابن عمر، كان يقول: "لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين"( ).
فهذا يدل على أن المرأة في غير حالة الإحرام تلبس البرقع والقفازين إذ لو لم يكن كذلك لم يكن هناك فائدة من نهيها عنهما حال الإحرام( ). ويرى بعض علمائنا عدم الإفتاء بجواز لبس البرقع في عصرنا هذا لأنه ذريعة إلى الفساد حيث أصبحت النساء يظهرن مع العينين جزءاً من الوجه مما يجلب الفتنة ولا سيما أن كثيراً منهن تكتحل عند لبسه فمنعه وجيه جداً من باب درء المفسدة والله أعلم( ).
ثالثاً: لبس العباءة لابد أن يكون ضافياً على جميع البدن، لئلا يظهر شيء من مفاتن بدنها وثيابها لأن ظهور هذا التبرج الذي نهيت عنه المرأة المسلمة، قال تعالى: ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى . إلى أن قال سبحانه: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً [الأحزاب: 33]. وعلى هذا فلا تضع المرأة عباءتها على كتفها أو على رأسها ثم ترفع أسفلها، لعدم حصول المقصود منها.
رابعاً: إن مهمة العباءة ستر ما تحتها من لباس يعتبر من أهم أنواع الزينة المكتسبة، يقول تعالى: يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن [الأحزاب: 59]. والجلباب هو الرداء فوق الخمار. . وقيل: هو ثوب واسع تستر به المرأة بدنها كله. والعباءة نوع من الجلباب.
قالت أم سلمة – رضي الله عنها -: لما نزلت هذه الآية: يدنين عليهن من جلابيبهنً. خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من السكينة وعليهن أكسية سود يلبسنها( ).
وعلى هذا فلا يجوز للمرأة أن تلبس العباءة المطرزة التي يكون في أطرافها وأكمامها قيطان أو خيوط ملونة. أو تكون واسعة تظهر منها الذراع لأن هذا من التبـرج، ولأن العباءة إذا كانت زينة في نفسها فهي بحاجة إلى ما يسترها.
الشرط الثاني: ألا يكون اللباس ضيقاً يصف جسمها
وذلك أن الغرض من اللباس – كما سبق – ستر العورة، ومواضع الزينة، وهذا إنما يكون بالثوب الواسع، أما الثوب الضيق فإنه – وإن يستر لون البشرة – يصف جسم المرأة أو بعضه، فالواجب على المرأة أن تهتم بستر بدنها وتقاطع جسمها، والتساهل في ذلك من أعظم أسباب الفساد ودواعي الفتنة.
يقول أسامة بن زيد – رضي الله عنه -: كساني رسول الله - - قبطية كثيفة مما أهدى له دحية الكلبي، فكسوتها امرأتي، فقال: مالك لم تلبس القبطية؟ قلت: كسوتها امرأتي. فقال: "مرها فلتجعل تحتها غلالة فإني أخاف أن تصف حجم عظامها"( ).
فالرسول - - يأمر أسامة أن يطلب من امرأته أن تضع تحت هذا الثوب الثخين غلالة، ليمنع وصف بدنها وحجم عظامها؛ فهذه القبطية – وإن كانت ثخينة – قد تصف الجسم، ولا سيما إذا كان اللباس الثخين من طبيعته الليونة والانثناء؛ فهذه القبطية ثخينة، ومع ذلك خاف  من أن تصف حجم عظامها.
وانطلاقاً من هذا الشرط على المرأة ملاحظة ما يلي:
أولاً: أن تعلم المرأة أن اللباس الضيق يصف مفاتن الجسم لا يجوز شرعاً عند المحارم ولا عند النساء. وهو داخل في لباس أهل النار كما قال - -: "سيكون في آخر أمتي نساء كاسيات عاريات على رؤوسهن كأسنمة البخت إلعنوهن فإنهن ملعونات" وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: "لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها . ."( ).
وقد فسر العلماء – ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية( ) – الكاسيات العاريات بأن من معانيها أن تلبس الثوب الضيق الذي يبدي تقاطيع جسمها. وقد انتشر عند النساء ظاهرة اللباس الذي يكون أسفله ضيقاً لا تكاد المرأة تمشي فيه، ومما يزيد الأمر فتنة وضع فتحات جانبيه تظهر ساقيها. وجزءاً من فخذها. والله المستعان!!
ثانياً: ليس للمرأة أن تلبس البنطلون. لأنه من الثياب الضيقة التي تحدد أجزاء البدن التي تحيط بها. فهو داخل في معنى الحديث. ثم إن في لبسه تشبهاً بالرجال، لأنه من لباسهم، بل إني أخشى أن يكون لبس المرأة البنطلون داخلاً في ثوب الشهرة الذي سيأتي الحديث عنه إن شاء الله.
ثالثاً: إن هذا اللباس الضيق له آثار على بدن المرأة، يقول الدكتور وجيه زين العابدين: إن الملابس الضيقة لا تخلو من أضرار لما قد تسببه من حساسية الجلد والضغط على الأحشاء الداخلية، هذا عدا حساسية النايلون نفسه( ).
الشرط الثالث: ألا يشبه لباس الرجال
فإن لثوب الرجل صفات أهما أن يكون فوق الكعبين أو إلى أنصاف الساقين. وقد ورد عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي - - قال: "ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار"( ).
ولكن الأمر أنعكس في هذا العصر، فصار ثوب كثير من النساء فوق الكعبين، وبعضهن إلى أنصاف الساقين، وصار ثوب الرجال أسفل من الكعبين، ولا شك أن قصر ثوب المرأة يؤدي إلى ظهور عورتها من القدم والساق ونحوهما وظهور زينتها إذا قامت، أو انحنت، أو جلست، والله يقول: ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن [النور: 31]. فإذا نهيت عن إظهار زينة الرجل فهي منهية عن إظهار الرجل نفسها من باب أولى.
وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: "لعن رسول الله - - الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل"( ).
ولباس المرأة أسفل من الكعبين لحديث ابن عمر – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله - -: "من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة، فقالت أم سلمة: فكيف تصنع النساء بذيولهن! قال: يرخينه شبراً، فقالت: إذن تنكشف أقدامهن، قال: فيرخينه ذراعاً ولا يزدن عليه"( ).
فهذا فيه دليل على وجوب ستر قدم المرأة، وأنه أمر معلوم عند نساء الصحابة – رضي الله عن الجميع – وأن الرجلين والساقين مما يخفى ولا يجوز إظهاره، فلابد من ستره، ولا يكون ذلك إلا بأن ترخي المرأة ثوبها شبراً أو ذراعاً، فتعمل المرأة المسلمة بهذا الحديث، وتفصل ثيابها على ما يقتضيه الدليل الشرعي، ويكون لها قدوة بنساء خير الأمة وأفضل القرون.
وهناك أحاديث كثيرة تنهى المرأة أن تتشبه بالرجل، وتنهى الرجل أن يتشبه بالمرأة، ولا شك أن تشبه أحد الجنسين بالآخر انحراف عن الفطرة، ودليل على عقلية فاسدة، وهو داء عضال انتقل إلينا نتيجة الاحتكاك بالغرب، ومحاكاته وتقليده، حتى أصبح الرجل كالمرأة! والمرأة كالرجل، في الزي واللباس والمشية والكلام ونحو ذلك! وهذا أمر مستقبح يأباه الشرع، وتنفر منه العقول السليمة، لذا زجر عنه الإسلام، فقد ورد عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أنه قال: "لعن رسول الله  المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال"( ) وعن عائشة – رضي الله عنها – قالت: "لعن رسول الله - - الرجلة من النساء"( ).
قال ابن أبي جمرة عن التشبه: "إن الذي تقرر مما فهم من قواعد الشريعة خلفاً عن سلف هو في زي اللباس، وبعض الصفات والحركات وما أشبه ذلك. وأما التشبه بهم في أمور الخير وطلب العلوم والسلوك في درجات التوفيق فمرغب فيه". ثم ذكر أن الحكمة من لعن المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال هي إخراج شيء عن الصفة التي وضعها عليها أحكم الحاكمين، وقد بين ذلك النبي - - في لعن الواصلات وغيرهن بقوله: "المغيرات خلق الله"( ).
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية الضابط في تشبه الرجل بالمرأة، وتشبه المرأة بالرجل، وبين أن ذلك يرجع إلى الأغلب، فما كان من اللباس غالبه للرجال نهيت عنه المرأة، وما كان غالبة للمرأة نهي عنه الرجل، مع اعتبار أن النساء مأمورات بالاستتار والاحتجاب دون التبرج والظهور، والرجل بضد ذلك. فالمرأة مأمورة بستر قدميها، فثوبها أسفل الكعبين بشبر أو ذراع، والرجل ثوبه فوق الكعبين، فمن فصّل ثوبه على صفة ثوب الآخر فهو متشبه به.
وليس الأمر راجعاً على مجرد ما يختاره الرجال والنساء ويشتهونه ويعتادونه، إذ لو كان الأمر كذلك لكان إذا اصطلح قوم على أن يلبس الرجال الخمار الذي يغطي الرأس والوجه والعنق، وتلبس النساء العمائم والأقبية لكان ذلك سائغاً. وهذا خلاف النص والإجماع. لأن الله تعالى قال: }وليضربن بخمرهن على جيوبهن{. فالفارق بين لباس الرجال ولباس النساء هو ما يصلح للرجال وما يصلح للنساء، مع ملاحظة الاعتبار السابق( ).
ولهذا نص العلماء على أنه لا يجوز للمرأة أن تلبس اللباس الأبيض إذا كانت الملابس البيضاء في بلادها من سيما الرجال وشعارهم، لأن هذا تشبه بهم والله أعلم.
الشرط الرابع: ألا يشبه لباس الكافرات
وذلك بأن تفصل المرأة المسلمة لباسها تفصيلاً يتنافى مع حكم الشرع وقواعده في موضوع اللباس مما ظهر في هذا العصر وانتشر باسم "الموديلات" التي تتغير كل يوم من سيء إلى أسوأ! وكيف ترضى امرأة شرفها الله بالإسلام ورفع قدرها. أن تكون تابعة لمن يملي عليها صفة لباسها، بل صفة تجملها عموماً ممن لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، لأنه لباس فصّل لغيرها، وهل يلبس الإنسان ما فصّل له أو ما فصّل لغيره؟!
إن كثيراً من صفات لباس المرأة اليوم، لا يتفق مع تعاليم الإسلام، ولم يكن معروفاً عند المسلمات حتى سنوات قريبة، ونحن نعرف صفة واحدة للباس المرأة دامت دهراً طويلاً دون تغيير وأنا لا أمنع التجديد في صفة الخياطة والتفصيل ما دامت متفقة مع تعاليم الإسلام في صفة اللباس، لكننا الآن نرى كل يوم صفة للخياطة والتفصيل؟! فمن أين جاءت؟ وما مدى تحقق شروط اللباس فيها؟ وما دور المرأة المسلمة في ذلك؟ أهو التعقل ومعرفة حكم الإسلام؟ أم هو إجادة التقليد وحب التبعية والإعجاب بما عليه الآخرون من خير أو شر؟!
لقد انتشرت فيا لمكتبات "مجلات الأزياء" التي تعني بصفة لباس المرأة، وتنويع التفصيل، وهي من وضع مصممي الأزياء الذين خدعوا نساءنا باسم الموضة، وسخروا منهن، لترويج بضاعتهم مع إفساد الأخلاق، والقضاء على العفة والنـزاهة.
إن انتشار مثل هذه المجلات فيه محاذير عديدة منها:
1) اشتمالها على صور فتيات شبه عاريات، واقتناء الصور حرام للأدلة في ذلك.
2) إن هذه الأزياء والموديلات تتنافى غالباً مع قواعد الإسلام في لباس المرأة، لأنها صممت في بلاد الكفر والإباحية التي لا ترى بأساً في العري، أو وصف حجم البدن، أو ظهور ما يسبب الفتنة، ونحو ذلك مما تشتمل عليه.
3) إن المرأة تتطلع إلى كل زي جديد، فيقتضي ذلك – بالتدريج – نبذ أحكام ديننا والتأثر بأزياء لا تمت إلى الإسلام بصلة، وإذا كثر الإمساس قل الإحساس وهذا هو الواقع.
4) إن التهافت على شراء هذه المجلات واقتنائها يوحي بأن عندنا نقصاً في موضوع لباس المرأة نريد تكميله من غيرنا، ولا ريب أن تشبه أمة بأمة في غير ما أذن فيه ينافي الدين، وهو دليل الضعف والانحطاط والإحساس بالهزيمة وفقدان الثقة.
5) إن هذه المجلات تلعب بعقل المرأة، وتجعلها حقلاً للتجارب والحصول على أرباح طائلة، لأن هذه المجلات تتغير بسرعة مذهلة. فكلما تغير الموضة ازدادت النساء شراءً وإنفاقاً.
6) إن هذه المجلات خدمة لمعامل الأقمشة الأجنبية، ذلك أن المرأة تفصل عدداً من الملابس على نمط معين، حتى إذا أكملت استعدادها تغير "الموديل" فجأة فتركت ملابسها القديمة، وبدأت في تفصيل جديد، وهكذا!
ولو وضعت المرأة إحصائية لملابسها في العام، لاتضح الإسراف في الشراء والخياطة. كما يدل على ذلك كثرة مشاغل الخياطة في المدن والقرى.
والقصد أن المرأة منهية – كالرجل – عن التشبه بالكفار، ومنه التشبه بهم في اللباس، وقد ورد عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله - e -: "من تشبه بقوم فهو منهم"( ).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -: "وهذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم" كما في قوله تعالى }ومن يتولّهم منكم فإنه منهم{[المائدة: 51]( ).
وقال في سبل السلام: "والحديث دال على أن من تشبه بالفساق كان منهم، أو بالكفار أو بالمبتدعة في أي شيء مما يختصون به من ملبوس أو مركوب أو هيئة . . ."( ).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: رأى رسول الله e عليّ ثوبين معصفرين، فقال: "إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها" ( ).
وفي رواية قال: "اذهب فاطرحهما عنك" قال: أين يا رسول الله؟ قال: "في النار" والمعصفر: هو المصبوغ بالعصفر، وهو نبت معروف.
والكلام في التشبه يحتاج إلى بسط ليس هذا مكانه ولكن أكتفى بالنقاط الآتية:
1) إن الإسلام يريد من المسلم والمسلمة أن يكون لكل منهما شخصية مستقلة، وذلك بأن يأخذ عقيدته وعبادته وأخلاقه وسلوكه من المصدر الرباني لا من غيره، وبذلك تحصل له العزة والسعادة في الدارين، وإن الأفكار والمناهج الأخرى غير صالحة للتلقي منها واتباعها، لتحريفها وفسادها، وكفى بأهلها واتباعها الضالين والمنحرفين دلالة على عدم صلاحها وإصلاحها.
2) إن التشبه بالكفار ضعف وانهزامية، وعقدة نقص سرت في أجسام المسلمين في هذا العصر بين الرجال والنساء على حد سواء، وكأن عندنا من النقص والتخلف ما نحاول أن نمحوه بالتشبه بالكفار، واقتباس مناهجهم وأوضاعهم، وقد حكى ذلك المؤرخ "عبد الرحمن بن خلدون" وعقد له فصلاً في مقدمته فليرجع إليه( )
3) إن التشبه بالكفار لابد أن يورث عند المسلم نوع مودة لهم أو هو على الأقل مظنة المودة. فيكون محرماً من هذا الوجه. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -: (فإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية تورث المحبة والموالاة، فكيف بالمشابهة في أمور دينية؟ فإن إفضاءها إلى نوع من الموالاة أكثر وأشد، والمحبة والموالاة لهم تنافي الإيمان)( ).
فليعلم هذا من يتشبه بالأفرنج في لباسهم أو سلوكهم وعاداتهم وغير ذلك مما يشعر بالميل على حبهم والإعجاب بهم. ويزدري المسلمين المتمسكين بما هم عليه من لباس وسلوك وعادات.
4) الضابط في موضوع التشبه بالكفار هو ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – من أن كل فعل مأخوذ عن الكفار مما هو من خصائصهم فهو تشبه.
أما ما انتشر بين المسلمين مما لا يتميز به الكفار ففي كونه تشبهاً نظر لكن قد ينهى عنه لئلا يكون ذريعة إلى التشبه. وإذا عارض هذا الفعل نصاً من نصوص الشريعة أو أصلاً أو ترتب عليه مفسدة فإنه ينهى عنه لذلك.
والشريعة إذا نهت عن التشبه بالكفار دخل في النهي ما عليه الكفار قديماً وحديثاً وبهذا نعلم أن ما عليه الكفار في هذا الزمان من الأخلاق والعادات التي تختص بهم مما لم يكن معروفاً من قبل فنحن منهين عنه( ).
القسم الثاني: ما يتعلق بنوعية اللباس
تقدم أن الإسلام اعتنى بلباس المرأة أكثر من الرجل فوضع شروطاً لكيفية التفصيل وكيفية اللبس، ووضع شروطاً لنوعية اللباس الذي تختاره المرأة. وأحبُّ قبل أن أدخل في بيان شروط نوعية اللباس أن أنبه المرأة إلى ما انتشر أخيراً من رسم الصليب بأشكال مختلفة على ملابس النساء الجاهزة وغير الجاهزة وكذا الأطفال ومعلوم أن الصليب هو شعار النصارى. وقد ورد النهي عنه في عدة أحاديث منها: حديث دقرة أم عبد الرحمن بن أذينة قالت: كنت أمشي مع عائشة في نسوة بين الصفا والمروة، فرأت امرأة عليها خميصة فيها صلب فقال لها عائشة: انزعي هذا من ثوبك، فإن رسول الله e كان إذا رآه في ثوب قضية( ).
فعلى المرأة أن تحذر ذلك وأن ترفض مثل هذه الملابس. وأن تنتبه حال شرائها. فإذا حصل ذلك من كل امرأة عرف البائع وصاحب السلعة يقظة المسلمين فراعى مشاعرهم لئلا تكون بضاعته مزجاة يردها كل من رآها.
أما شروط نوعية لباس المرأة فمنها ما يلي:
1) ألا يكون اللباس زينة في نفسه
وأعني بذلك الثياب الظاهرة فالمرأة منهية عن الثياب إذا كانت تلفت أنظار الرجال إليها لعموم قوله تعالى: }ولا يبدين زينتهن{ [النور، الآية: 31]. فإذا نهيت عن إبداء الزينة فكيف تلبس ما هو زينة؟ ولأن ذلك داخل في التبرج فإن تعريفه (أن تبدي المرأة من زينتها ومحاسنها وما يجب عليها ستره ما يستدعى به شهوة الرجل)، ولا ريب أن خروج المرأة بملابسها الجميلة من أكبر أسباب الفتنة وعوامل الفساد، والله يقول: }ولا تتبرجن تبرج الجاهلية الأولى{[النور، الآية: 33]. وعلى هذا فمتى اختارت المرأة ثيابها من الألوان الجذابة لكي تلذّ بها أعين الناظرين من الرجال فهذا من مظاهر التبرج الجاهلي!
يقول المودودي – رحمه الله -: إن كلمة "التبرج" إذا استعملت للمرأة كان لها ثلاثة معان:-
أ‌) أن تبدي للأجانب جمال وجهها ومفاتن جسدها.
ب‌) أن تبدي لهم محاسن ملابسها وحليها.
ج) أن تبدي لهم نفسها بمشيتها وتمايلها وترفلها وتبخترها.
وهذا عين ما شرح به هذه الكلمة أكابر علماء اللغة والتفسير ثم ذكر بعضاً من أقوالهم( ).
ولقد حذر الإسلام من التبرج – كما تقدم – إلى درجة أنه قرنه بالشرك والزنى والسرقة والقتل وغيرها من المحرمات، ففي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو – رضي الله عنه – قال: جاءت أميمة بنت رقيقة إلى رسول الله e تبايعه على الإسلام فقال: "أبايعك على ألا تشركي بالله شيئاً ولا تسرقي ولا تزني، ولا تقتلي ولدك، ولا تأتي ببهتان تفترينه بين يديك ورجليك ولا توحي ولا تتبرجي تبرج الجاهلية الأولى"( ).
فعلى المرأة المسلمة أن تحذر ثياب الزينة الظاهرة ولو كانت في منزلها عند زوجها إذا حضر بعض أقارب الزوج كأخيه وعمه وابن أخيه ونحوهم وهذا يختلف عن اللباس لزوجها، فلها أن تلبس ما شاءت عنده مهما بلغ من الزينة ما لم يصل إلى حد الإسراف، كما أنه لا مانع من لباس الزينة إذا سترته بالعباءة لحضور مناسبة من المناسبات إذا لم يرها الرجال الأجانب والله أعلم.
2) ألا يكون شفافاً يصف ما تحته
وهذا - كما سبق - لأن القصد من اللباس الستر. وذلك لا يحصل إلا بالصفيق، لأن الشفاف يزيد المرأة زينة وجمالاً، وليس اللباس الذي يشف عن الجسم ويفضح العورات بلباس في نظر الإسلام، فلباس المرأة لابد أن يكون صفيقاً لئلا تفتن غيرها بمحاسن جسمها، ومنه يعلم أنه لا يجوز للمرأة لباس الشراب الشفاف.
كما لا يجوز لبس الخمار "أي الغدفة أو الطرحة" إذا كان خفيفاً لا يستر الرأس والوجه لأن الله تعالى قال: }وليضربن بخمرهن على جيوبهن{[النور، الآية: 31].
والخمار ما تخمر به المرأة رأسها وتغطيه به، ويلزم منه ستر الوجه، وما كان خفيفاً فإنه لا يؤدي المقصود، بل هو إلى الفتنة أقرب، ولما سئلت عائشة – رضي الله عنها – عن الخمار، قالت: "إنما الخمار ما وارى البشرة والشعر"( ).
وانظري – أيتها المرأة – إلى نساء الصحابة – رضي الله عنهن أجمعين – كيف تلقين هذا الأمر في الآية برحابة صدر، وسرعة تنفيذ، وهنّ طائعات راغبات فغطين وجوههن وصدورهن بالخمار الساتر، تقول عائشة – رضي الله عنها -: "يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله : }وليضربن بخمرهن على جيوبهن{. شققن مروطهن فاختمرن بها" وفي رواية أبي داود: "شققن أكنف مروطهن فاختمرن بها"( ).
قال العيني: "فاختمرن بها: أي غطين وجوههن بالمروط التي شققنها".
قال الخطابي: "المروط أكسية من صوف وأحدها مرط وقولها (أكنف) معناه: استر واغلظ . . ."( ).
فما ذكرناه دليل على أن خمار المرأة لابد أن يكون صفيقاً يستر الوجه والرأس والعنق والصدر كما فعلت نساء الصحابة – رضي الله عنهن – وقد ورد الوعيد الشديد فيمن تلبس لباساً خفيفاً لا يستر ما أمر الله بستره فقد ورد عن عبد الله بن عمرو – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله e يقول: "سيكون في آخر أمتي نساء كاسيات عاريات على رؤوسهن كأسنمة البخت، ألعنوهن فإنهن ملعونات"( ). وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: "لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا"( ).
وعن أم سلمة زوج النبي e قالت: "استيقظ رسول الله e ليلة فزعاً يقول: سبحان الله! ماذا أنزل الله من الخزائن، وماذا أنزل من الفتن؟ من يوقظ صواحب الحجرات – يريد أزواجه – لكي يصلين؟ رُبًّ كاسية في الدنيا عارية في الآخرة"( ).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -: "وقد فسر قوله: "كاسيات عاريات" بأن تكتسي ما لا يسترها، فهي كاسية، وهي في الحقيقة عارية! مثل أن تكتسي الثوب الرقيق الذي يصف بشرتها، أو الثوب الضيق الذي يبدي تقاطيع خلقها مثل عجيزتها وساعدها ونحو ذلك، وغنما كسوة المرأة ما يسترها، فلا يبدي جسمها، ولا حجم أعضائها لكونه كثيفاً واسعاً"( ).
وقد ذكر في غذاء الألباب أنه يجوز للمرأة أن تلبس ما يصف بشرتها لزوجها لأنه يباح له النظر لجميع بدنها، ويكره أن تلبس خفيفاً ولو في بيتها، ولكن التعبير بالكراهة في اللباس الخفيف فيه نظر إلا إن كان المراد كراهة التحريم كما كان يعبر به سلف هذه الأمة حيث يطلقون لفظ (الكراهة) ويريدون (التحريم) من باب الورع كما ذكر ذلك ابن القيم – رحمه الله تعالى –( ).
3) ألا يكون لباس شهرة
فلا يجوز لامرأة مسلمة أن تختار من ألوان الثياب ما ترضي به رغبة الدعاية ولا يتعلق بضرورة اللباس، أو حسنه وجماله في حدود المباح، وإنما لأجل أن يرفع الرجال إليها أبصارهم، وتفتن تلك النظرات الجائعة! وقد ورد عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله e: "من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسة الله ثوب مذلة يوم القيامة ثم ألهب فيه ناراً"( ).
قال ابن الأثير: (ثوب الشهرة: هو الذي إذا لبسه الإنسان افتضح به واشتهر بين الناس)( ).
وقال الشوكاني: "والحديث يدل على تحريم لبس ثوب الشهرة، وليس هذا الحديث مختصاً بنفس الثياب، بل قد يحصل ذلك لمن يلبس ثوباً يخالف ملبوس الناس من الفقراء، ليراه الناس فيتعجبوا من لباسه ويعتقدوه"( ).
وقد ظهر في هذا العصر على النساء أنواع من لباس الشهرة. ترفع له الأبصار، وهو علامة على نقص الإيمان، وضعف الوازع الديني، والإفلاس في عالم القيم، وهو شاهد على قصور النظر، وقلة الإدراك، كما أنه دليل على ضعيف القوامة، وفقد التربية الإسلامية الأصيلة من أب أو زوج أو غيرها. فإلى الله المشتكى!
وقد ذكر العلماء أنه يكره للإنسان مخالفة زي بلده وأن ذلك داخل في لباس الشهرة، بل قال بعضهم يحرم ذلك، فينبغي للإنسان أن يلبس لباس بلده إذا كان موافقاً للشرع لئلا يشار إليه بالأصابع، لأن لباس غير أهل بلده ربما يزري بصاحبه وينقص مروءته.
قال ابن عبد البر: كان يقال: كل من الطعام ما اشتهيت والبس من الثياب ما اشتهى الناس. وعقد ذلك بعض الشعراء في قوله:
إن العيـون رمتـك مُذ فاجأتـها وعليك من شهر اللبـاس لباس
أما الطعام فكل لنفسك ما اشتهت واجعل لباسك ما اشتهاه الناس( ).
لباس المرأة في الصلاة

للصلاة شأن كبير، فهي صلة بين العبد وربه، يقف المصلي بين يدي الله تعالى يناجيه، فينبغي أن يكون المصلي في هذا المقام على أحسن هيئة وأتم حال. وقد انعقد إجماع أهل العلم على الأمر بستر العورة في الصلاة، وذلك بلبس لباس الزينة الساترة التي منّ الله بها على عباده، قال تعالى: }يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد{[الأعراف: 26].
قال في فتح الباري: "وقد ذهب الجمهور إلى أن ستر العورة من شروط الصلاة"( ).
قال بين الدين الإسلامي لباس المرأة في الصلاة. وما ينبغي أن تكون عليه حال أداء هذه العبادة العظيمة.
فعن عائشة – رضي الله عنها – أن النبي e قال: "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار"( ). فدل الحديث على أن المرأة لا تقبل صلاتها إلا بخمار يستر رأسها.
والمراد بالحائض المكلفة التي بلغت، وليس المراد بها من هي في أيام حيضها، لأن الحائض ممنوعة من الصلاة وعبر بالحيض نظراً إلى الأغلب، وإلا فلو تكلفت بالاحتلام – مثلاً – شملها الحكم المذكور( ) ودلّ الحديث بمفهومه على أن غير البالغة إذا صلت لا يلزمها أن تصلي بخمار.
وقد وردت آثار تدل على أن صلاة المرأة في الدرع وهو القميص والخمار – كان أمراً معروفاً لدى السلف الصالح، فقد أخرج عبد الرازق في مصنفه وابن أبي شيبة عن عائشة – رضي الله عنها – أنها سئلت في كم تصلي المرأة من الثياب؟ فقالت له: اسأل عليّا ثم ارجع إليّ فأخبرني بالذي يقول لك. قال: فأتى عليّا فسأله فقال: في الخمار والدرع السابغ، فرجع إلى عائشة فأخبرها، فقالت: صدق.
وروى عبد الرازق من طريق أم الحسن قالت: "رأيت أم سلمة زوج النبي e تصلي في درع وخمار" وإسناده صحيح( ).
وينبغي للمرأة أن تصلي في درع سايغ يغطي قدميها، وخمار يغطي رأسها وعنقها، وجلباب تلتحف به من فوق الدرع، والغرض من ذلك الستر، لأن الجلباب تجافيه راكعة وساجدة، لئلا تصفها ثيابها فتبين عجيزتها ومواضع عورتها، وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن عمر – رضي الله عنهما -، قال: "إذا صلت المرأة فلتصلِّ في ثيابها كلها: الدرع والخمار والملحفة"( ).
والملحفة: هو الثوب تلتحف به المرأة فوق ثيابها، ويسمى الجلباب والملاءة، ويعرف عند نسائنا (بالجلال) وهي كلمة عربية فصيحة، جمعها أجلة( ).
ووجه المرأة ليس بعورة في الصلاة إلا إذا كان بحضرتها أجانب ليسوا من محارمها كأخي زوجها وابن عمها، فيجب عليها سترة، لأنه عورة في باب النظر.
أما الكفان والقدمان فقد ذكر شيخ الإسلام – رحمه الله – أنه لا يلزم سترهما في الصلاة فليسا بعورة، قال في الإنصاف: وهو الصواب( ).
وأما حديث أم سلمة أنها سألت رسول الله e: أتصلي المرأة في درع وخمار ليس عليها إزار، قال: "إذا كان الدرع سايغاً يغطي ظهور قدميها". فهذا وإن دل على وجوب ستر القدمين في الصلاة، لكن ضعفه كثير من أهل العلم وقالوا: أنه لا يصح لا مرفوعاً ولا موقوفاً فلا تقوم به حجة( ).
فأمرها بتغطية يديها وقدميها في الصلاة إذا لم يكن عندها أجانب يحتاج إلى دليل، وإنما هي مأمورة بالخمار مع القميص، لكن عموم قوله e: "المرأة عورة"( ). يدل على أن سترهما في الصلاة أحوط، والله أعلم.
قال في المغني: "ويكره أن تنتقب المرأة وهي تصلي. لأنه يخل بمباشرة المصلّى بجبهتها وأنفها ويجري مجرى تغطية الفم للرجل وقد نهى النبي e عنه"( ).
وعلى المرأة إذا صلّت وعندها غير محارمها، أو يمر عليها أجانب كما في المسجد الحرام أن تستر جميع بدنها بما في ذلك الوجه والكفان والقدمان، لا لأجل الصلاة، وإنما لأجل النظر؛ لأن عورة النظر ليست مرتبطة بعورة الصلاة، فهذا نوع، وهذا نوع، وأخذ الزينة في الصلاة غير الزينة خارج الصلاة، فقد يستر المصلي في الصلاة ما يجوز إبداؤه غير الصلاة، فالمرأة تلبس الخمار على رأسها في الصلاة ولو كانت عند زوجها ومحارمها، ولا تختمر عنهم إذا كانت في غير الصلاة. وكذلك الوجه والكفان والقدمان، ليس لها أن تبدي شيئاً منهما للأجانب، وأما سترهما في الصلاة فلا يجب، بل تكشف وجهها إذا لم يكن عندها أجانب كما تقدم( ). والله أعلم.
الحلــي
يباح للمرأة أن تتزين بالحلي مهما كان نوعه في حدود المشروع بلا إسراف ولا مباهاة، سواء من الذهب أو الفضة أو غيرهما من اللؤلؤ والياقوت والزمرد والماس ونحوها، ولا فرق في الذهب بين المحلق كالسوار والخاتم، وغير المحلق كالقلادة والقرط، لعموم الأدلة الشرعية، قال تعالى: }أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين{[الزخرف: 18]. وقد أخرج ابن جرير في تفسير هذه الآية عن مجاهد أنه قال: رخص للنساء في الذهب والحرير وقرأ: }أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين{ يعني: المرأة. وعن علي – رضي الله عنه – أن النبي e أخذ حريراً فجعله في يمينه، وأخذ ذهباً فجعله في شماله، ثم قال: "إن هذين حرام على ذكور أمتي"( ). قال النووي في شرح المهذب: "أجمع المسلمون على أنه يجوز للنساء لبس أنواع الحلي من الفضية والذهب جميعاً كالطوق والعقد والخاتم والسوار والخلخال، ولا خلاف في شيء من هذا"( )، لكن على المرأة أن تخفي الحلي عن الرجال الأجانب ولا سيما إذا كان في يدها وذراعها لأن الحلي زينة والله يقول: }ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها{. ويزيد الأمر حرمة وخطورة إذا ازدادت غلبة الظن في حصول الفتنة.
ومن الملاحظ أن كثيراً من النساء اليوم لا يبالين بإظهار أيديهن وحليهن حتى بين الرجال الأجانب في الأسواق ونحوها، وهذا من تبرج الجاهلية الأولى.
وبعض النساء لا يتورعن عن إظهار أيديهن لبعض الصاغة ضعاف الإيمان لأجل قياس حجم السوار أو الخاتم، أو لنـزع الحلي من أيديهن أو مساعدتهن في لبسها أو نزعها، وهذا أمر محرم، إذ لا يجوز للرجل أن يمس أي جزء من بدن المرأة الأجنبية، وهي بهذا الفعل عاصية لله ولرسوله e قال: "لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له"( ). فهذا الحديث دليل على أنه لا يجوز للرجل أن يمس امرأة أجنبية، وهي شريكته في الإثم إذا كانت مطاوعة. ومس البدن للبدن أبلغ في اللذة، وأقوى في إثارة الغريزة وإيقاظ الشهوة من النظر بالعين، وتحريم مس المرأة أحد التدابير الوقائية التي وضعها الإسلام للحيلولة دون وقوع الفاحشة التي تفسد الفرد والمجتمع، وتقضي على العفة والطهارة، وتؤدي إلى الهلاك والدمار.
فعلى المرأة المسلمة أن تراقب الله جل وعلا، وتعمل بأحكام دينها التي فيها خيرها، فلا تمد يدها لرجل أجنبي لا لمصافحة، ولا لقياس حلي، بل عليها أن تحتجب الحجاب الشرعي بستر كل ما يلزم ستره، ومن ذلك الوجه والكفان والذراع، وعلى الصائغ وغيره أن يخاف الله تعالى ويغض بصره عما لا يحل له النظر إليه، ولا يمس امرأة لا تحل له، فيعاقب في نفسه وأهله وماله، نسأل الله السلامة.
ومما يتعلق بموضوع الحلي:
* دبلـة الخطـوبة:
شاع بين المسلمين في هذا العصر – نتيجة التشبه – لبس دبلة الخطوبة، وهي عبارة عن خاتم ذهب يلبسه الرجل وعليه اسمه في الغالب، وخاتم ذهب أو ماس تلبسه المرأة، فذا خطبها ألبسها الخاتم في اليمنى، وإذ دخل بها نقله إلى اليد اليسرى، وهكذا الرجل يلبسه في اليمنى إذا كان خاطباً، وإذا تم الزواج نقله إلى اليسرى( ) فهذا فيه محذوران شرعيان:
الأول: لبس ما هو محرم على الذكور بالنص والإجماع – وهو الذهب – فقد ورد عن البـراء بن عازب – رضي الله عنه – قال: نهانا رسول الله e عن سبع: نهى عن خاتم الذهب . . . الحديث( ).
وعن ابن عباس – رضي الله عنهما – أن رسول الله e رأى خاتماً من ذهب في يد رجل فنـزعه فطرحه، وقال: "يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده"، فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله e: خذ خاتمك انتفع به، قال: لا والله لا آخذه أبداً وقد طرحه رسول الله e( ).
والأحاديث في هذه كثيرة، وقد نقل النووي في شرح صحيح مسلم الإجماع على تحريم خاتم الذهب على الرجال( ).
الثاني: إن هذه العادة سرت إلى المسلمين عن طريق التشبه بالكفار وأعني بذلك النصارى، بقول الشيخ محمد ناصر الدين الألباني: "ويرجع ذلك إلى عادة قديمة لهم عندما كان العروس يضع الخاتم على رأس إبهام العروس اليسرى، ويقول: باسم الأب. ثم ينقله واضعاً له على رأس السبابة ويقول: وباسم الابن. ثم يضعه على رأس الوسطى ويقول: وباسم روح القدس. وعندما يقول: آمين، يضعه أخيراً في البنصر حيث يستقر"( ). فعلى المسلمين البعد عن مشابهة النصارى في هذه الخصلة الذميمة، امتثالاً لقول النبي e: "ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى"( ).
وعلى التجار من الصاغة والباعة أن يراقبوا الله تعالى، فلا يحل لهم شرعاً بيع خواتيم للرجال أو صناعة خاتم الخطبة، لأن هذا إعانة على التشبه بالكفار، وإعانة على الإثم والله تعالى يقول: }وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان{[المائدة: 2]. ثقب الأذن وتعليق الحلق فيها
يجوز ثقب أذن البنت وتعليق الحلف فيها، لأن فيه سد حاجة فطرية عند المرأة وهي التزين، ولا يمنع من ذلك حصول الألم الذي يكون نتيجة الثقب لأنه خفيف، ووقته قليل، وهو لا يفعل – غالباً – إلا في حال الصغر( ).
وثقب الأذن أمر معلوم عند النساء قديماً وحديثاً، ولم يرد فيه نهي لا في الكتاب، ولا في السنة – فيما أعلم – بل ورد ما يشعر بجوازه وإقرار الناس عليه.
فقد ورد عن عبد الرحمن بن عابس قال: سئل ابن عباس: أشهدت العيد مع رسول الله e قال: نعم، ولولا منـزلتي منه ما شهدته من الصغر فأتى العلم الذي عند دار كثير بن الصلت، فصلى ثم خطب ولم يذكر آذاناً ولا إقامة، ثم أمر بالصدقة، فجعل النساء يشرن إلى آذانهن وحلوقهن، فأمر بلالاً فأتاهن ثم رجع إلى النبي e وفي لفظ للبخاري عن ابن عباس – أيضاً – قال: أمرهن النبي e بالصدقة، فرأيتهن يهوين إلى آذانهن وحلوقهن( ).
فهذا فيه دليل على جواز ثقب أذن المرأة لتجعل فيه الحلي، وإن كان ليس نصاً في الموضوع – إذ يحتمل أنه شبك في الرأس أو في الأذن بدون ثقب، لكن ترك الإنكار عليهن يصلح أن يكون دليلاً، فعدم النهي يدل على الجواز، والله أعلم( ).
الطــيب
يباح للمرأة أن تتطيب بما شاءت سواء في لباسها أو في بدنها، ولكن عليها ملاحظة ما يلي:
1) أن تحرص أن يكون تطيبها لزوجها ولا سيما في الفراش، فإن هذا مما يزرع الألفة بين الزوجين ويؤدي إلى كمال الاستمتاع. وليس من حسن العشرة أن تجالس المرأة زوجها بثياب البيت ورائحة المطبخ فإذا جاء ضيوف أو أرادت حضور مناسبة أسرعت إلى زينتها وعطرها. كعروس مجلّوة!!
2) أن الإسلام يحرم على المرأة أن تتطيب وهي تريد الخروج من بيتها. لأن ذلك يحرك الشهوة ويلفت أنظار الرجال.
وقد ورد عن أبي موسى الأشعري – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله e: "أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية"( ).
ومعنى هذا الحديث أن هذا الفعل فعل الزناة، وليس زنى حقيقة يجب فيه الحد، وإنما سيق هذا المساق للزجر والابتعاد عن هذا الفعل الذي لا تفعله إلا امرأة زانية، وورد – أيضاً – عن زينب الثقفية أن النبي e قال: "إذا خرجت إحداكن إلى المسجد فلا تقربن طيباً"( ).
وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله e: "أيما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهد معنا العشاء الآخرة"( ). . قال ابن دقيق العيد: (وفيه حرمة الطيب على مريده الخروج إلى المسجد لما فيه من تحريك داعية شهوة الرجال)( ).
وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: لقيته امرأة وجد منها ريح الطيب [ينفخ] ولذيلها إعصار، فقال: يا أمة الجبار، جئت من المسجد؟ قالت: نعم، قال: وله تطيبت؟ قالت: نعم. قال: إني سمعت حبي أبا القاسم e يقول: لا تقبل صلاة لامرأة تطيبت لهذا المسجد حتى ترجع فتغتسل غسلها من الجنابة"( ).
قال ابن الأثير: "إنما أضاف الأمة إلى الجبار دون باقي أسماء الله تعالى لأن الحال التي كانت عليها المرأة من الفخر والكبرياء بالطيب الذي تطيبت به، وجر أذيالها، والتعجب بنفسها وهذا من أحسن التعريض، وأشبهه بمواقع الخطاب"( ).
قال بان القيم في "أعلام الموقعين" في الكلام على اهتمام الشرع بسد الذرائع "الوجه السابع والخمسون: أنه نهى المرأة إذا أخرجت إلى المسجد أن تتطيب أو تصيب بخوراً، وذلك لأنه ذريعة إلى ميل الرجال وتشوقهم إليها، فإن رائحتها وزينتها وصورتها وإبداء محاسنها تدعو إليها، فأمرها أن تخرج تفلة وألا تتطيب، وأن تقف خلف الرجال وألا تسبح في الصلاة إذا نابها شيء، بل تصفق ببطن كفها على ظهر الأخرى، كل ذلك سداً للذريعة، وحماية عن المفسدة"( ).
فلتنظر المسلمة بعين البصيرة إلى أن التطيب إذا كان محرماً على مريدة المسجد، فكيف حكمه لمن تريد مجامع الرجال كالأسواق والمحلات التجارية ونحو ذلك؟ إن هذا أعظم جرماً وأشد تحريماً.
يقول المودودي: "والطيب رسول من نفس شريرة على نفس شريرة أخرى وهو من ألطف وسائل المخابرة والمراسلة،مما تتهاون به النظم الأخلاقية عامة، ولكن الحياء الإسلامي يبلغ من رقة الإحساس ألا يحتمل حتى هذا العامل اللطيف من عوامل الإغراء، فلا يسمح للمرأة المسلمة أن تمر بالطرق أو تغشى المجالس مستعطرة؛ لأنها وإن استتر جمالها وزينتها، فينتشر عطرها في الجو ويحرك العواطف . ."( ).
ومما ينبغي التنبيه عليه في هذا الموضوع أنه لا ينبغي استعمال البخور للنساء عند خروجهن إلى المساجد، ولا في المساجد – كما يحصل في شهر رمضان – ومن الخطأ إدخال المجامر (المباخر) على النساء في رمضان في مصلياتهن (في المساجد)، أو إتيان بعض النساء بذلك، وهذا سببه الجهل وعدم التنبيه على ذلك.
كما لا ينبغي تقديم الطيب والبخور في الزيارات النسائية، فإن هذا خطأ كالذي قبله، ولاسيما إذا كانت المرأة تمر في طريقتها بالرجال.
3) ومما ينبغي ملاحظته في هذا الباب أن المرأة تترك التطيب والتجمل – أيضاً – إذا كان زوجها غائباً، وإنما يكون لباسها نظيفاً لا زينة ولا تجملاً، تقول عائشة – رضي الله عنها – كانت امرأة عثمان بن مظعون تخضب وتطيّب فتركته، فدخلت عليّ، فقلت: أمشهد أم مغيب؟ فقالت: مشهد كمغيب، قلت: مالك؟ قالت: عثمان لا يريد الدنيا ولا يريد النساء، قالت عائشة: فدخل عليّ النبي e فأخبرته بذلك فلقي عثمان فقال: يا عثمان تؤمن بما نؤمن به؟ قال: نعم يا رسول الله. قال: فأسوة مالك بنا" وفي رواية: "فاصنع كما نصنع"( ).
قال الشوكاني: "قولها: أمشهد أم مغيب؟ أي: أزوجك شاهد أم غائب؟ والمراد أن ترك الخضاب والطيب إن كان لأجل غيبة الزوج فذاك، وإن كان لأمر آخر مع حضوره فما هو؟ فأخبرتها أن زوجها لا حاجة له بالنساء فهي في حكم من لا زوج لها، واستنكار عائشة عليها ترك الخضاب والطيب يشعر بأن ذوات الأزواج يحسن منهن التزين لأزواجهن بذلك"( ).
وقد ورد الوعيد فيمن غاب عنها زوجها فأظهرت زينتها ومحاسنها للأجانب. فعن فضالة بن عبيد – رضي الله عنه – أن رسول الله e قال: "ثلاثة لا تسأل عنهم: رجل فارق الجماعة وعصى إمامه ومات عاصياً، وأمة أو عبد أبق فمات، وامرأة غاب عنها زوجها قد كفاها الدنيا فتبرجت بعد فلا تسأل عنهم . ."( ) فعلى المرأة المسلمة أن تراقب الله تعالى وتحفظ نفسها لئلا تكون من هؤلاء الهالكين.
وسائل التجميل الحديثة
يباح للمرأة أن تتزين لزوجها بما ظهر في هذا العصر من وسائل التجميل من الأصباغ والمساحيق، هذا هو الأصل لعموم الأدلة الدالة على أن المرأة تتزين لزوجها بما ليس فيه محذور شرعي كالحناء والخضاب ونحوهما.
لكنه من الملاحظ أن هذه الوسائل تعددت إلى حد جعل المرأة المسلمة العوبة بأيدي مصممي الأزياء وأدوات التجميل، أضف إلى هذا ما يحويه أكثرها من مواد ضارة بالجسم أو بالأعضاء – كما سيأتي إن شاء الله -، وصاحب ذلك كله داعية خبيثة لهذه الوسائل من جهة، وإرشاد لكيفية التجميل من جهة أخرى لأجل أن تحوز المرأة إعجاب الآخرين، وكأنها صارت سلعة تعرض أمام الناس في اصطناع جمال مزور، بل تشويه يزيد الدميمة دمامة، والعجوز شيخوخة . . !!
وإني لأعجب ويعجب غيري مما يقال عما تفعله أعداد من النساء بأجسامهن من شتى الأصباغ والألوان، ومختلف الأشكال والرسوم في رؤوسهن وعيونهن وحواجبهن وخدودهن وشفاههن مما يجعلهن يبدون في صورة بشعة منفرة مستهجنة !! مما يقطع العاقل مع هذا الصنيع بغياب العقل الذي فضل به الإنسان وميزة الله به على سائر الحيوان، وأهم من ذلك غياب القيم الأساسية التي جاء بها الإسلام.
ولا أكون مبالغاً إذا قلت: إن هذا السيل الجارف من هذه الوسائل مسخ لفطرة المرأة وذوقها، وتعطيل لتصورها وتفكيرها، إنها جناية على المرأة المسلمة متى زادت عن حدها المعقول، وإشاعة للفساد والانحلال النفسي والخلقي، يقف وراء ذلك كله مفسدو الأخلاق ومدمرو العالم، من الصليبية الحاقدة واليهودية الماكرة.
ومن المؤسف – حقاً – أن تظل المرأة المسلمة تلاحق الموضة، وتراقب تغير أدوات التجميل. مهما كلف ذلك من مال، ومهما أضاع من وقت، ومهما دل على عقلية فاسدة واتجاه منحرف، في سبيل إشباع رغبة جامحة. وجمال مصطنع، وما على المرأة إلا أن تطيع كارهة، وتنساق وراء هذه الموضات وإلا فهي متأخرة رجعية !! لا تساير ما يستجد على ساحة الأزياء، وفي بيوت التجميل!
وأنا أدعو المرأة المسلمة إلى تأمل الأمور التالية في موضوع أدوات التجميل الأمر الأول: نصوص الشرع تدل على أن هذه الأصباغ والمساحيق لا يجوز استعمالها إلا بالشروط الآتية: الأول: ألا تكون بقصد التشبه بالكافرات، إذ لا يجوز للمرأة المسلمة أن تتشبه بالكافرة فيما يختص بها من أمور الزينة.
الثاني: ألا يكون هناك ضرر من استعمالها على الجسم، لأن جسم الإنسان ليس ملكاً له.
الثالث: ألا يكون فيها تغيير الخلقة الأصلية كالرموش الصناعية أو الحواجب ونحوهما. ومن ذلك العدسات اللاصقة الملونة فإنه لا ريب في تحريمها، لما فيها من تغيير خلق الله تعالى حيث تكون العين بلون الثوب، ولأن فيها إسرافاً ببذل المال فيما لا نفع فيه، كما أن فيها إضراراً بالعين، وتشبهاً ببعض الحيوانات ذوات العين البراقة كالقطط ونحوها.
الرابع: ألا يكون فيها تشويه لجمال الخلقة الأصلية المعهودة.
الخامس: ألا تصل على حد المبالغة، لأن الإكثار فيها يضر بالبشرة. أو يدخل في دائرة الإسراف المذموم.
السادس: ألا تكون مانعة من وصول الماء إلى البشرة عند الوضوء أو الغسل، وهذا الشرط مفقود في المناكير (أصباغ الأظفار).
الأمر الثاني: إن هذه الوسائل ما هي لعب بعقل المرأة المسلمة، فيهي ابتزاز لمال المسلمين. حيث تظل المرأة تلاحق الموضة، وتنفق الأموال الطائلة دون أن تشعر مع طول المدى، ومن مكر القوم أنهم يقولون: عن الأصباغ التي لا تؤثر على بشرة المرأة هي ذات القيمة العالية!!
إن القائمين على بيوت الأزياء ومصانع أدوات التجميل أرادوا أن يكسبوا كسبين في آن واحد: الكسب المادي الفاحش . .
والكسب الآخر إفساد المسلمين بإفساد المرأة، وإخراجها إلى الطريق فتنة هائجة مائجة، تفتن الرجل وتفتن نفسها معه، غيرت شعرها، عبثت بحواجبها، أطالت أظافرها، نبذت تعاليم الإسلام وراء ظهرها!!
الأمر الثالث: إن هذه الأصباغ والمساحيق لها تأثير بعيد المدى على بشرة المرأة، ولا سيما الوجه بما في ذلك العينان والحاجبان.
جاء في مجلة (الوعي الإسلامي) مقال للدكتور: وجيه زين العابدين. يتعلق بهذا الموضوع يقول فيه: (فزينة الشعر أن تضع الفتاة عليه مادة لزجة ليقف يسمونها سبراي، وهذا قد يسبب تكسر الشعر وسقوط، أو قد يسبب أذى في قرنية العين إذا أصابها مباشرة، أو بصورة غير مباشرة كحساسية. وربما استمر علاج هذه الإصابة بضعة أشهر، وقد يسبب صبغ الشعر حساسية للمريض لمادة البروكاتين، كما أن المصابات بحساسية البنسلين أو مادة السلفا يتأثرن جداً من أصباغ الشعر فيصبن بتورم حول قاعدة الشعر’، وربما سقط الشعر كله.
وأشد هذه المواد خطراً ما يستعمل لتمويج الشعر بالطريقة الباردة، حيث تستعمل مواد تذيب طبقة الكيراتين فتسبب لها تكسراً عند تحويل الشعر المجعد إلى مسرح.
أما المساحيق والدهون التي توضع في الوجه فإنها تعرضه للإصابة بالبثور والالتهابات في الجلد، فيضعف ويصاب بالتجعد الشيخوخي قبل الأوان، وقد يترك التجعد خطاً بارزاً تحت العين، ولما تبلغ الفتاة بعد العشرين عاماً وكم من مرة سببت الرموش الصناعية التهاباً بالجفن، أو جاءت الحساسية للجفن من الصبغ الذي يوضع فوقه.
وقد يعرض الأحمر الشفاه أو تيبس جلدها الرقيق وتشققه لأنه يزيل الطبقة الحافظة للشفة.
ويسبب أحياناً صبغ الأظافر تشققاً وتكسراً في الأظافر ويعرضها للالتهابات المتكررة والتشوه أو المرض المزمن.
إن الإنسان بطبيعته لابد أن يجد له الحماية من المؤثرات الخارجية التي تصيبه بحكم حياته في هذه الأرض، والجلد هو خط الدفاع الأول، فبقدر ما تكون عنايتنا بالجلد نستفيد من قواه الدفاعية، ومن المؤسف أن المدنية الحديثة تتعرض لهذه القوى الدفاعية بالأذى عن طريق الإسراف في استعمال أدوات التجميل ومواده"( ).
ويقول الدكتور وهبة أحمد حسن (كلية طب جامعة الإسكندرية): "إن إزالة شعر الحواجب بالوسائل المختلفة ثم استخدام أقلام الحواجب وغيرها من مكياج الجلد، لها تأثيرها أيضاً، فهي مصنوعة من مركبات معادن ثقيلة، مثل الرصاص والزئبق تذاب في مركبات دهنية مثل زيت الكاكاو، كما أن كل المواد الملونة تدخل فيها بعض المشتقات البترولية. وكلها أكسيدات مختلفة تضر بالجلد، وإن امتصاص المسام الجلدية لهذه المواد يحدث التهابات وحساسية، أما لو استمر استخدام هذه الماكياجات فإن له تأثيراً ضاراً على الأنسجة المكونة للدم والكبد والكلى، فهذه المواد الداخلة في تركيب الماكياجات لها خاصية الترسب المتكامل فلا يتخلص منها الجسم بسرعة.
إن إزالة شعر الحواجب بالوسائل المختلفة ينشط الحلمات الجلدية فتتكاثر خلايا الجلد، وفي حالة توقف الإزالة ينمو شعر الحواجب بكثافة ملحوظة، وإن كنا نلاحظ أن الحواجب الأصلية تلائم الشعر والجبهة واستدارة الوجه"( ).
هذه كلمة الطب الحديث عن أضرار وآثار الإسراف في استعمال أدوات الزينة من المكياج والروج( ) والكحل السائل والسبري( ) ونحوها مما يستعمل في الوجه أو تمويج الشعر بجميع أشكالها وأنواعها مما يصعب حصره، مما يبين أن المرأة المسلمة مخدوعة أشد الخداع إزاء هذا التيار الجارف من هذه الوسائل التي تهدف إلى إفساد المرأة بتدمير خلقها وشخصيتها، وإفساد الفطرة البشرية، فهل تتأمل المرأة المسلمة في واقعها، وتعرف ما تأخذ وما تذر من وسائل التجميل وتكون على بصيرة من أمرها؟
الأمر الرابع: جاء في كتاب (الدخيل في اللغة العربية الحديثة ولهجاتها) ما يلي:
ماكياج: التجميل، خصوصاً تجميل وجوه الممثلين والممثلات في المسرح والسينما قبل القيام بأدوارهم، وهي كلمة فرنسية الأصل (MAQUILLAGE) (ماكيلاج) فصارت (مكياج) مع قليل من التحريف.
مانكير: معالجة أظافر السيدات بالتسوية والصبغ. ويطلق أيضاً على من يتولى هذه العملية. وهي كلمة فرنسية (MANUCURE)( ).
هاتان الكلمتان مما دخل في اللغة العربية في عصرنا الحاضر من لغات أوربا وما أكثرها، حتى استقر بعض هذه الألفاظ الداخلية في لغة الكتابة وبعضها في لغة التخاطب فقط، وإنما أوردت هاتين الكلمتين في هذا الموضوع لتعلم المرأة المسلمة أن الأولى مربوطة بالممثلين والممثلات، والثانية بإطالة الأظافر وتسويتها وصبغها، فهل ترضى مسلمة أن يكون أهل المجون والخلاعة من كفار أوربا قدوة لها؟
الأمر الخامس: إن القيام بعملية التجميل بهذه الأصباغ والمساحيق إضاعة للوقت، إضاعة للحياة فإن الوقت هو الحياة، والمرأة المسلمة يشملها قول رسول الله e: "لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن عمره فيما أفناه؟ وعن علمه فيما فعل؟ وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه"، وفي حديث آخر: "وعن شبابه فيما أبلاه"( ).
ولا ريب أن المرأة التي تمضي ساعة للعناية بالبشرة، وساعة للأهداب المستعارة والحواجب الصناعية، والعدسات الملونة اللاصقة حسب نوع الثوب وكذا من الوقت للأظفار، ووقتاً للعناية بالكفين والقدمين، ووقتاً لتسريحة الشعر وتمويجه!! هذه المرأة أضاعت حياتها وقتلت وقتها، وصيرت نفسها دمية أنيقة! لا روح فيها، فهي مسخرة للآخرين، وملهاة للأطفال والمتفرجين من النساء اللاتي من الله عليهن بالعقل، والحمد لله على العافية.
تظن هذه المرأة أن تبرجها شيء عادي لا يمس عقلها، ولا يؤثر على دينها وخلقها وهذا تصور خاطئ، فإن كل عمل يقوم به الإنسان لابد أن يكون له آثار على فكره عقله ولو بعد حين.
فهل نطمع من امرأة مسلمة شرفها الله تعالى بدين حفظ لها كرامتها وأنوثتها، وحمى عفتها وجمالها من عبث العابثين، وكيد الكائدين، هل نطمع منها أن تثوب إلى رشدها، وتراجع عقلها، وتعمل بشرع ربها وأحكام دينها. وألا تكون معول هدم تعين القوى الكبرى التي تعمل على ابتزاز أحوال المسملين. وهدم المجتمعات وتفويض بنيان الأسرة؟
لا شك أن المرأة بفعلها هذا تؤيد الذين يقفون وراء بيوت الأزياء وأدوات التجميل بإسرافها ومتابعتها، فهي تحثهم على اختراع زي جديد كل يوم، وموضة جديدة! ولو كان على حساب الدين، والعفة والفضيلة، وهذا إفساد للفطرة، وعبث بالخلق، يقضي على حياة الأسرة، ويزلزل ميزانية البيت ويشغل المرأة بالتافه من الأمور عما خلقت له، وكلفت به!
الفصل الثاني: الزينة المستحبة
1) سنن الفطرة
الإسلام دين النظافة والجمال، اعتني بالطهارة، ونظافة الجسم والثوب والمكان وكذلك نظافة الآنية التي يأكل فيها الإنسان ويشرب، وفي القرآن الكريم وسنة الرسول e نصوص كثيرة تحث على النظافة وكمال الطهارة، قال تعالى: }يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين{[المائدة: 6]. وقال تعالى: }وإن كنتم جنباً فأطهروا{. وقال تعالى: }إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين{[البقرة: 222]. وقال تعالى: }يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد{[الأعراف: 31].
وقال النبي e: "الطهور شطر الإيمان"( ) وقال عليه الصلاة والسلام: "غسل الجمعة واجب على محتلم"( )
وعن سعيد بن أبي وقاص – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله e: "نظفوا أفنيتكم ولا تشبهوا باليهود تجمع الأكباء في دورها"( ).
وهناك خصال خصها الإسلام، وحث عليها، لأنها متضمنة لكمال النزاهة والطهارة، وجمال المنظر وهي خصال الفطرة التي قال فيها النبي e: "عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظافر وغسل البراجم ، ونتف الإبط ، وحلق العانة ،وانتقاص الماء ، قال زكريا : قال مصعب : ونسيت العاشرة الا أن يكون المضمضة قال وكيع : انتقاص الماء : يعنى الاستنجاء( ).
وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي e قال: "الفطرة خمس أو خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط، وقص الشارب"( ). وقد اختلف العلماء في تفسير الفطرة –هنا-على أقوال نذكر منها ما يظهر رجحانه.
يقول السيوطي: "وأحسن ما قيل في تفسير الفطرة أنها السنة القديمة التي اختارها الأنبياء، واتفقت عليها الشرائع، فكأنها أمر جبلي فطروا عليه"( ).
وقال ابن دقيق العيد: "وأولى الوجوه بما ذكرنا أن تكون الفطرة ما جبل الله الخلق عليه وجبل طباعهم على فعله، وهي كراهة ما في جسده مما هو ليس من زينته"( ). وهذا هو الأظهر وهو أن المراد بالفطرة ما فطر الناس على حسنه، وجبلوا على اختياره، وفيها أقوال آخر.
إن هذه الخصال المذكورة في حق الرجل عنوان النظافة التي تلطف العشرة بين الزوجين وتزرع الألفة بينهما، قال في فتح الباري: "ويتعلق بهذه الخصال – أي خصال الفطرة – مصالح دينية ودنيوية تدرك بالتتبع، منها تحسين الهيئة وتنظيف البدن جملة وتفصيلاً، والاحتياط للطهارة، والإحسان إلى المخالط والمقارن بكف ما يتأذى به من رائحة كريهة، ومخالفة شعار الكفار من المجوس، واليهود، والنصارى، وعباد الأوثان، وامتثال أمر الشارع. والمحافظة على ما أشار إليه قوله تعالى: }وصوَّركم فأحسن صوركم{ [غافر، الآية: 64] لما في المحافظة على هذه الخصال من مناسبة ذلك، وكأنه قيل قد حسنت صوركم فلا تشوهوها بما يقبحها، أو حافظوا على ما يستمر به حسنها، وفي المحافظة عليها محافظة على المروءة وعلى التآلف المطلوب؛ لأن الإنسان إذا بدا في الهيئة الجميلة كان أدعى لانبساط النفس إليه، فيقبل قوله، ويحمد رأيه، والعكس بالعكس . ."( ).
وسأتكلم – بعون الله - الآن على الخصال التي تهم المرأة وهي:
1) قص الأظافر 2) نتف الإبط 3) الاستحداد 4) السواك 5) غسل البراجم، وأما الختان فلا نتكلم عنه لأن المشاهد أن حاجة النساء إلى الختان أقل بكثير من حاجة الرجال إليه، فلا تصل آكديته إلى درجة هذه الخصال بالنسبة للمرأة( ).
1) قص الأظافر: والمراد به قطع ما طال عن اللحم منها، وينبغي الاستقصاء في إزالتها إلى حد لا يدخل فيه ضرر على الإصبع، قاله في فتح الباري( ). وينبغي غسل رؤوس الأصابع بعد قلم الأظافر لكان أولى لإزالة ما قد يكون تحتها من أوساخ لا سيما إذا طالت. والحكمة من حث الشرع على قص الأظافر لأن الوسخ يجتمع تحت الظفر فيستقذر، وقد ينتهي إلى حد يمنع من وصول الماء إلى ما يجب غسله في الطهارتين، وللبعد من مشابهة الحيوان ذي المخالب( ). قال ابن العربي في كلامه على خصال الفطرة: "السابع قص الأظافر وما أخفها بالافتقاد فإنه عضو يصرف في منافع البدن وفي تنظيفه عن الأقذار، فيتعلق بالأظفار جزء مما يباشر من الأجسام في الأعمال، حتى إذا طال الظفر رأيته كأنه هلال ظلمة أو طوق قلفة سوداء، فلا تطيب النفس على مباشرة الغذاء من المأكل والمشرب" ا هـ( ).
وقد انتشرت – اليوم - عادة إطالة الأظافر بين نسائنا تأثراً بنساء الغرب فتطيل المرأة أظافرها وتضع عليها الصبغ المعروف بالمناكير! وكما تفعله النساء يفعله الشباب وبعض الكبار، وهذه عادة سيئة متنافية لتعاليم الدين لأمور:
أ‌) أن في ذلك تشبها بالكفار، لأن هذه العادة دخيلة علينا لم تكن معروفة بين أبناء المسلمين حتى صار تقليد الغرب في زيه ولباسه تقدماً ومدنية!
ب‌) أن فيه مخالفة للفطرة التي فطر الله الناس علي حسنها وكمالها، فمن أطال أظافره فقد عدل عن الفطرة، ورغب في القباحة، ولم يرض بالزينة وتحسين الهيئة.
قال الشوكاني: "والمراد بقوله: خمس من الفطرة أن هذه الأشياء إذا فعلت اتصف فاعلها بالفطرة التي فطر الله العباد عليها، وحثهم عليها، واستحبها لهم ليكونوا على أكمل الصفات وأشرفها صورة . ."( ).
ج) ثم هو دليل على عدم النظافة – رغم أنف فاعله – لأن لأظافر إذا طالت تجمع تحتها الوسخ حتى أن النفوس السوية لتكره رؤية الأظافر الطويلة وتكره الأكل معه، أو مباشرته لإعداد الطعام، لا سيما المرأة وقد يؤدي إلى حد يمنع من وصول الماء على ما يجب غسله في الطهارة. وقد ذكر القرطبي في تفسيره: أنه ربما أجنب من يطيل أظافره ولا يصل الماء إلى البشرة من أجل الوسخ فلا يزال جنباً ا هـ( ). وإن كان بعض أهل العلم قال بصحة وضوئه وغسله وأنه يعفى عنه. لكن تمام الطهارة وكمال النظافة مطلوب، وقلّ أن يحصل ذلك مع طول الأظافر.
د‌) أن الأظفار الطويلة قد يستتر تحتها شيء من النجاسة عندما يستنجي الإنسان، لأن الغالب إطالة أظافر اليد اليسرى كما نشاهده فيمن يطيلون أظافرهم، ولهذا قال بعض العلماء: إنه حامل للنجاسة فلا تصح صلاته( ).
والمقصود أن إطالة الأظافر نبذ لآداب الإسلام العالية، وأخلاقه الرفيعة الموافقة للفطرة، إذ كيف يرضى بتراكم الأوساخ تحت أظافره – مهما نظفها – بل تصبح مأوى خصباً للجراثيم والميكروبات، وأي زينة هذه؟ وأي جمال هذا؟
2) نتف الإبط: الإبط بكسر الهمزة وسكون الباء باطن المنكب، والنتف هو إزالة الشعر بالقلع، ونتفه لقطع الروائح التي تنشأ من الوسخ الذي يجتمع بسبب العرق فيعلق بالشعر، ونتفه وجه من أوجه النظافة، التي تديم العشرة بين الزوجين، وكمال الاستمتاع؛ لأن رائحة الإبط كريهة جداً، فنتفه من خصال الفطرة الدالة على اشتمال دين الإسلام على الآداب العالية.
ونتف الإبط أفضل من حلقة لورود الحديث به، ولأن النتف يضعف الشعر فتضعف الرائحة الكريهة، بخلاف الحلق فإنه يقوي الشعر ويهيجه فتقوى الرائحة، لكن إذا لم يقو على النتف جازت إزالته بأي مزيل مما وجد في هذا العصر، لحصول المقصود وهو الإزالة( ).
3) الاستحداد:
وهو حلق العانة، وهي الشعر الخشن الذي ينبت حول القبل – بالنسبة للرجل والمرأة – سمي بذلك لاستعمال الحديدة فيه وهي الموسى، وهذا هو المشهور وهو أن لفظ العانة خاص بما حول القبل، ولا يتناول ما حول الدبر.
قال ابن العربي: "ولا يتعدى حلق العانة إلى حلق الدبر وليتركه على حاله"( ). وقال الشوكاني: "إن كان الاستحداد هو حلق العانة في اللغة فلا دليل على سنية حلق الشعر النابت حول الدبر، وإن كان الاستحداد هو الاحتلاق بالحديد كما في القاموس فلا شك أنه أعم من حلق العانة، ولكن وقع في مسلم وغيره بدل الاستحداد في حديث عشر من الفطرة (حلق العانة) فيكون مبينا لإطلاق الاستحداد في حديث (خمس من الفطرة) وعلى هذا فلا يتم دعوى سنية حلق شعر الدبر أو استحبابه إلا بدليل ولا دليل على ذلك لا من فعله e ولا من فعل أحد من أصحابه"( ). وقال ابن دقيق العيد: "كأن الذي ذهب على استحباب حلق ما حول الدبر ذكره بطريق القياس"( ). والحلق لشعر العانة أولى، لموافقة لفظ الحديث، ولحديث جابر في النهي عن طروق النساء ليلاً حتى تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة، لكن إن أزاله بأي شيء حصل المطلوب، إذا لم يكن فيما أزاله به ضرر على البشرة من التهاب ونحوه.
والحكمة من الحث على إزالة شعر العانة للرجل والمرأة:
أ‌) أن إزالة هذا الشعر تقي الإنسان من الأمراض والالتهابات بسبب تراكم الأوساخ.
ب‌) أن إزالته متضمنة لكمال الطهارة.
ج) أن إزالته تلطف العشرة بين الزوجين، وتزرع الألفة بينهما، وتؤدي إلى كمال الاستمتاع( ).
وقت هذه الخصال:
لم يرد في أحاديث الفطرة – ومنها الحديثان السابقان – متى يكون القيام بهذه الخصال، فيدل ذلك – والله أعلم – على أن الضابط لذلك هو الحاجة فمتى طالت أخذت لكن لا تترك أكثر من أربعين يوماً لقوله أنس بن مالك رضي الله عنه: "وقت لنا في قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، إلا نترك أكثر من أربعين ليلة"( ).
قال القرطبي: "ذكر الأربعين تحديد لكثرة المدة، ولا يمنع تفقد ذلك من الجمعة إلى الجمعة، والضابط في ذلك الاحتياج"( ).
4) السواك:
السواك يطلق على الآلة التي يتسوك بها، وأفضلها ما كان من عود الأراك، ويطلق على الفعل الذي هو التسوك، وهو دلك الفم بالمسواك، لتنظيف الأسنان واللسان واللثة( ).
والسواك من خصال الفطرة الدالة على عناية الشريعة الإسلامية بالنظافة وكل ما يقرب العبد إلى مولاه، فشرع السواك لتنظيف الفم مما يتعلق به من بقايا الطعام أو أوساخ قد تحمل روائح كريهة.
وقد ذكر النبي e للسواك فائدتين عظيمتين فقال: "السواك مطهرة للفم مرضاة للرب"( ).
فهو مرضاة للرب أي وسيلة لرضوان الله تعالى لما فيه من اتباع سنة الرسول e والدخول في العبادة على أحسن هيئة، وأطيب رائحة، ولا سيما الفم الذي هو طريق القرآن، وقد وجد العلماء فائدة ومفعول السواك بعد أربعة عشر قرناً من ذكر المصطفى e لتلك الحقيقة، وثبت بعد الدراسات والأبحاث التي أجريت على السواك، أنه يفوق الفرشاة والمعجون معاً ولا مقارنة، وثبت أن السواك يحوي المواد المطهرة القوية التي تساعد على الفتك بالجراثيم التي تتسبب في أمراض وآفات الفم والأسنان( ).
فالسواك مرضاة للرب تبارك وتعالى، مطهرة للفم، فهو الطريقة المثلى والأيسر والأنجح والأرخص لتنظيف الأسنان والفم، وفوق ذلك كله الظفر برضوان الله تعالى. قال الشنقيطي في كلامه على الحديث السابق: "وفيه الحث على السواك بذكر فضله. ويؤخذ منه أنه لا يختص بوقت دون وقت"( ).
ومع هذا فثمة تساهل لدى كثير من الناس في استعمال السواك حتى عند أشرف عبادة وهي الصلاة! لا فرق في ذلك بين الرجال والنساء، وإن كان نصيب النساء أكثر في الإهمال لهذه الخصلة العظيمة! وهذا جهل منهم بفضل السواك وفائدته أو تهاون! وهذا لا ينبغي لمسلم ولا مسلمة، ويتأكد استعمال السواك عند تغير رائحة الفم أو تلوث الأسنان بالاصفرار وقد ذكر الفقهاء – رحمهم الله – مواضع يتأكد فيها السواك ومنها:
1) عند الوضوء وعند الصلاة:
ولا فرق بين الفريضة والنافلة، حتى صلاة الصائم بعد الزوال يتأكد فيها السواك على أرجح الأقوال عند أهل العلم، لعموم أدلة الحث على السواك عند الصلاة، ومنها حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي e قال: "لو لا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة". وفي رواية لمالك: "مع كل وضوء"( )
قال الشنقيطي في شرح سنن النسائي: "والحديث يدل على استحباب السواك في الحالين: حال القيام للصلاة ولو كان متوضئاً، وحال الوضوء ولو لم يرد الصلاة. والأمر الممتنع هو المقتضي الوجوب؛ لأن الأمر حصل بالفعل منه e ولكنه للندب لا للوجوب، ويدل عليه رواية العباس السابقة "لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك عند كل صلاة كما فرضت عليهم الوضوء". وفيه حجة للجمهور على عدم وجوبه، وفيه دليل على ما ترجم له المصنف من أن السواك مطلوب في جميع النهار وعلى أي حال؛ فهو حجة على استحبابه للصائم وغيره، ولا يعارض ذلك حديث الخلوف، لما سيأتي – إن شاء الله – أن الخلوف ناشئ عن خلو المعدة، وبعد عهدها بالطعام وهذا السبب في ترتيب الثواب عليه، وهذا السبب لا يزول بالسواك، فالخلوف محبوب عند الله من أجل تأثير رضاه في ترك الشهوة على ما يحبه الإنسان، وليس المحبوب عند الله ترك الوسخ في الفم والأسنان والله أعلم( ). ا هـ.
والحكمة من تأكيد السواك عند الصلاة لأن الصلاة ذات شأن كبير لأنها صلة بين العبد وربه تبارك وتعالى، ينبغي أن يكون العبد على أكمل هيئة وأحسن حال وإظهاراً لشرف العبادة، فكانت الطهارة شرطاً لصحة الصلاة، ومن تكميل الطهارة تنظيف الفم بالمسواك مما علق من أوساخ قد تحمل روائح كريهة( ).
2) عند قراءة القرآن: وذلك لأن الفم طريق للقرآن، فينبغي للقارئ – رجلاً أو امرأة في المسجد أو في المدرسة – أن يستاك قبل القراءة لما تقدم. وقد ورد عن علي – رضي الله عنه – أن النبي e قال: "إن العبد إذا تسوك ثم قام يصلي قام الملك خلفه فسمع لقراءته، فيدنو منه أو كلمة نحوها حتى يضع فاه على فيه وما يخرج من فيه شيء من القرآن إلا صار في جوف الملك فطهروا أفواهكم للقرآن( ).
3) بعد النوم: وذلك لتغير رائحة الفم عند النوم، بالأبخرة المتصاعدة من المعدة، وببقايا الفضلات المترسبة بين الأسنان، فيشرع لمن قام من النوم أن ينقي وينظف أسنانه وسائر فمه بالمسواك، لا سيما لمن يريد الصلاة، ليكون على أتم وجوه النظافة. وعن حذيفة – رضي الله عنه – قال: "كان النبي e إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك" وللبخاري: "إذا قام للتهجد" ولمسلم نحوه( ).
وقد أخذ ابن دقيق العيد من عموم المعنى الذي دلت عليه العلة أن السواك يتأكد عند تغير الفم، فشرعيته عند تغير الفم بسبب النوم، يدل على شرعيته كلما وجد تغير الفم ولو بدون نوم كسكوت طويل، أو اصفرار أسنان ونحو ذلك( ).
قال في النهاية: "يشوص فاه بالسواك أي يدلك أسنانه وينقيها"( ).
4) عند دخول المنزل:
وقد ورد في ذلك حديث شريح بن هانئ قال: سئلت عائشة – رضي الله عنها – بأي شيء كان يبدأ رسول الله e إذا دخل بيته قالت: بالسواك( ).
والحكمة من ذلك – والله أعلم – أنه سيتعامل مع أهله ويقترب منهم، فربما تأذوا برائحة فمه.
فهذا الفعل منه e إنما هو على درجة التعبد، فيكون مندوباً بالنسبة لنا على أرجح الأقوال كما في الأصول( ).
الخامس من سنن الفطرة: غسل البراجم:
وهذا من سنة الفطرة. والبراجم هي عقد الأصابع ومعاطفها.
فيسن للمسلم والمسلمة تعاهد عقد بطون الأصابع وظهورها. بإظهار ما يخفى من ثنايا هذه العقد، وإمرار الماء عليها ودلكها حتى يتأكد من نظافتها.
وهذه النظافة سنة مستقلة ليست خاصة بالوضوء
قال النووي: "وأما غسل البراجم فمتفق على استحبابه، وهو سنة مستقلة غير مختصة بالوضوء"( ). وألحق العلماء بالبراجم ما يجتمع به الوسخ مثل معاطف الأذن والصماخ فيزيله بمنديل مبلول بالماء، لأن الغسل ربما أضر بالسمع، وكذلك ما يجتمع داخل الأنف وكل موضع شبيه بالبراجم في جميع أجزاء البدن، سواء نشا عن عرق أو غبار أو غيرهما( ).
2) الكحل والخضاب
ومن زينة المرأة المشروعية (الخضاب) فلها استعمال الحناء في يديها ورجليها ورأسها ولو لتغيير الشيب، لأن أحاديث تغيير الشيب بغير السواد عامة للرجال والنساء. ومما يدل على استحباب الخضاب بالحناء ما ورد عن عائشة – رضي الله عنها – قالت: أومأت امرأة من وراء ستر، بيدها كتاب إلى رسول الله e، فقبض رسول الله e يده فقال: ما أدري أيد رجل أم يد امرأة! قالت: "لو كنت امرأة لغيرت أظفارك، يعني: بالحناء"( ). أي: لو كنت تراعين شعار النساء لخضبت يداك بالحناء.
قال في عون المعبود: "وفي الحديث شدة استحباب الخضاب بالحناء للنساء"( ) ا هـ. وسألت امرأة عائشة – رضي الله عنها – عن خضاب الحناء فقالت: لا بأس به، ولكني أكرهه، كان حبيبي e يكره ريحه( )
والمراد أنه يكره خضاب شعر الرأس، لأن خضاب اليد لم يكن يكرهه e بدليل الحديث المذكور قبله، وكذا حديث عائشة – رضي الله عنها - أن هند ابنة عتبة قالت: يا نبي الله، بايعني، قال: "لا أبايعك حتى تغيري كفيك كأنهما كفا سبع"( ).
ويجوز للمرأة أن تضع الحناء في يديها ولو كانت حائضاً لأن بدن الحائض طاهر، قال النبي e لعائشة – رضي الله عنها – "إن حيضتك ليست في يدك"( ). أما صبغ المرأة رأسها بالسواد فهذا منهي عنه، لعموم نهييه e عن صبغ الشعر بالسواد، ومن ذلك حديث جابر – رضي الله عنه – قال: أتى بأبي قحافة والد أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – يوم فتح مكة، ورأسه ولحيته كالثغامة بياضاً، فقال رسول الله e: "غيروا هذا بشيء واجتنبوا السواد"( ). وعن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله e: "يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الحنة"( ).
فهذا الحديث وما قبله يدلان على تحريم صبغ الشعر بالسواد، سواء كان ذلك للزينة أو لغرض التدليس والتغرير لعموم الأدلة، وقصر النصوص على من صبغ بالسواد لغرض التدليس ونحوه تقييد لما أطلقه الشرع، وما أطلقه الشرع فليس لأحد أن يقيده بصفة أو حال، لأن ذلك من التقول على الرسول e ومن الزيادة في الشرع، وهذا لا يجوز( ) كما أنه لا فرق في المنع من الصبغ بالسواد بين الرجل والمرأة – كما قاله بعض أهل العلم – قال النووي: "ولا فرق في المنع من الخضاب بالسواد بين الرجل والمرأة، هذا مذهبنا"( ).
وقال في رياض الصالحين: "باب نهي الرجل والمرأة عن خضاب شعرهما بالسواد"( ). ويتأكد تحريم صبغ المرأة شعرها بالسواد إذا كان للغش والتدليس، كأن تكون كبيرة السن، فتصبغ شعرها بالسواد لتظهر بمظهر الصغيرة، وهذا من الزور الذي نهى عنه الرسول e في وصل المرأة شعرها، ليظهر أنه كثير وطويل، فهذا مثله كما سيأتي إن شاء الله.
ورخص بعض أهل العلم للمرأة أن تصبغ بالسواد، تتزين به لزوجها. قاله قتادة، كما في مصنف عبد الرازق، ونقله في المغني عن إسحاق بن راهويه، وبه قال الحليمي،كما في فتح الباري( ).
وتقدم أن النصوص عامة. ولا دليل على الاستثناء فيما أعلم. وكأن الذين أجازوه للمرأة رأوا أن النهي إنما جاء في حق الرجال، والشرع أجاز للمرأة من خضاب اليدين والرجلين ما لم يجوّز للرجل والله أعلم.
قال النووي: "أما خضاب اليدين والرجلين بالحناء فمستحب للمتزوجة من النساء، للأحاديث المشهورة فيه، وهو حرام على الرجال إلا لحاجة التداوي ونحوه" ا هـ( ).
وليس الخضاب تغييراً لخلق لله تعالى، لأن التغيير المنهي عنه هو ما كان باقياً، غير مأذون فيه كالوشم وتفليج الأسنان ونحو ذلك مما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
أما ما لا يكون باقياً كالخضاب والكحل ونحوهما من الأصباغ التي يزيلها الماء فلا تدخل في النهي، كيف وقد أذن الشرع في استعمال الخضاب والكحل! قال الصنعاني: "ولا يقال إن الخضاب بالحناء ونحوه تشمله العلة (أي تغيير خلق الله) وإن شملته فهو مخصوص بالإجماع، وبأنه قد وقع في عصره e بل أمر بتغيير بياض أصابع المرأة بالخضاب كما في قصة هند ا هـ( ).
أما صبغ المرأة رأسها الأسود ليتحول إلى لون آخر – كما تفعله بعض النساء – فهذا لا ينبغي لعاقلة أن تفعله، لأنه عبث بالشعر ودليل على تفاهة عقل وفقر نفس شائن، وإلا فإن سواد شعر الرأس جمال وزينة، وليس تشويهاً يحتاج إلى تغيير، ولكنه النقص الذي لا تفيق منه كثير من النساء بل يجرين وراء الموضة طائعات سواء كان ذلك يتلاءم مع أجسامهن أولاً! وسواء كان يوافق تقاليد بلدهن أولاً؟ وقبل ذلك كله سواء كان يتمشى مع تعاليم الإسلام أولاً؟
وأما الكحل فهو زينة وجمال، ولهذا نهى النبي e المرأة الحاد على زوجها عن الاكتحال( ).
وقد حث النبي e على الكحل، فعن ابن عباس – رضي الله عنهما – أن النبي e قال: "اكتحلوا بالأثمد فإنه يجلو البصر. وينبت الشعر"( ).
والكحل بالإثمد زينة ودواء، وكانت العرب تكتحل به. وقد أبان ابن القيم – رحمه الله – عن شيء من فوائده في زاد المعاد( ).
والإثمد هو حجر الكحل – الأسود وهو معروف – ولكن بعد هذا السيل الجارف من وسائل التجميل الحديثة، رغب كثير من النساء عن هذا النوع، وصرن يستعملن الأقلام، والتي صارت تتلون بلون الثوب الذي تلبسه المرأة، ولم يعد الكحل في مكانه الطبيعي، بل صار على جفن العين! وهذا له آثار على الجفن ولو بعد حين – كما أشرنا إليه في وسائل التجميل الحديثة -.
الفصل الثالث: الزينة المحرمة
تمهـيد
تقدم أن الإسلام شرع للمرأة التجمل والتزين لزوجها بكل ما أباحه الله تعالى من لباس وحلي وطيب ونحو ذلك في حدود التوجيهات الإسلامية في هذا المجال.
وقد رخص الإسلام للمرأة في مجال الزينة أكثر مما رخص للرجل تلبية لفطرتها وأنوثتها، وحرصاً على دوام المحبة، وحسن العشرة بين الزوجين.
والإسلام عندما أباح للمرأة التزين لم يطلق العنان لتحصيل الجمال، أو استكماله، بل وضع الأسس والقواعد التي تحقق الهدف المقصود من الزينة، هذا من جانب. ومن جانب آخر حرّم بعض أشكال الزينة – إن صح التعبير – كوصل الشعر والوشم والنمص وتفليج الأسنان ونحو ذلك لما فيها من تغيير خلق الله تعالى، والخروج عن الفطرة مع ما في ذلك من التدليس والإيهام.
وليست هذه المحرمات هي كل ما حرم الله في مجال التزين والتجمل، بل هي تنبيه على ما يماثلها على ما يماثلها على مر العصور، ولا سيما ما ظهر في وقتنا هذا مما يسمى بجراحة التجميل. وهذا لا يعني أن الأصل في الزينة هو التحريم بل الأصل هو الإباحة لكن ذلك مقيد بضوابط دلت عليها النصوص.
قال الخطابي: "إنما ورد الوعيد الشديد في هذه الأشياء لما فيها من الغش والخداع، ولو رخص في شيء منها لكان وسيلة إلى استجازة غيرها من أنواع الغش! ولما فيها من تغيير الخلقة، وغلى ذلك الإشارة في حديث ابن مسعود بقوله: "المغيرات خلق الله" والله أعلم( ).
ولقد ظهر في هذا العصر من أنواع الزينة – كما يقال – ما أخبر عنه الرسول e وحذر منه، وظهر من يشجع على انتشاره من بيوت الأزياء ومحلات التجميل، والمستشفيات، ووسائل الأعلام، من صحف ومجلات وغيرها، تقود إلى ذلك دعاية وترغيباً، بغية تغيير الخلقة، وإفساد الفطرة، وإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، ثم تحقيق الأهداف الاقتصادية بابتزاز أموال المسلمين في استهلاك هذه الكماليات، عدا ما فيها من أضرار.
وإن من صفات المرأة المسلمة أن تكون وقافة عند حدود الله تعالى، لا تتعداها ولا تقربها، تقتصر على ما أباح الله لها من أنواع الزينة تنظر بعين البصيرة، مهتدية بشرع ربها لم يفسد مزاجها، ولم تنحرف فطرتها، وإن مما يؤسف له أن يعجب الإنسان بكل ما يصدر عنه، أو بكل ما يهواه، مهما بلغ من السوء! فيرى القبيح حسناً، والتشويه جمالاً، وتغيير خلق الله زينة، وهذا انتكاس في الفطرة، وفساد في الذوق. ونبذ لتعاليم الإسلام! قال تعالى: }أفمن زيّن له سوء عمله فرآه حسناً{[فاطر: 8]. والشاعر يقول:
يقضى على المـرء في أيام محنتـه حتى يـرى حسناً ما ليس بالحسن
وإليك – أختي المسلمة – هذا الحديث الجامع، فاقرئيه وتأمليه علماً وعملاً. عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله قال: فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها: أم يعقوب – وكانت تقرأ القرآن – فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنك أنك لعنت الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله؟ فقال عبدا لله: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله e وهو في كتاب الله فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته. فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، قال الله – عز وجل -: }وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا{. فقالت المرأة: فإني أرى شيئاً من هذا على امرأتك الآن. قال: اذهبي فانظري قال: فدخلت على امرأة عبد الله فلم تر شيئاً فجاءت إليه فقالت: ما رأيت شيئاً. فقال: أما لو كان ذلك لم نجامعها!!( ).
قال النووي: قوله: "لو كان ذلك لم نجامعها" قال جماهير العلماء معناه: لم تصاحبها ولم نجتمع نحن وهي، بل كنا نطلقها ونفارقها"( ).
وقال في فتح الباري: (قوله ما جامعتها) يحتمل أن المراد بالجماع الوطء، أو الاجتماع، وهو أبلغ. ويؤده قوله في رواية الكشميهني: (ما جامعتنا) للاسماعيلي (ما جامعتني)( ).
قال النووي: "فيحتج به في أن من عنده امرأة مرتكبة معصية كالوصل أو ترك الصلاة أو غيرهما، ينبغي له أن يطلقها، والله أعلم". مثله قال ابن العربي في شرحه على الترمذي( ).
فهذا الحديث دلَّ على أنواع محرمة مما يطلق عليه زينة وهي تفليج الأسنان والنمص والوشم، وكذا الوصل كما عند أبي داود في سننه من حديث عبد الله بن عمر قال: "لعن رسول الله e الواصلة والمستوصلة"( )، وتحريمها جاء من لعن فاعلها، لأن اللعنة على الشيء تدل على تحريمه. وتدل على أنه من الكبائر، وهي تغيير لخلق الله تعالى – كما تقدم –.
قال ابن العربي "إن الله سبحانه خلق الصور فاحسنها في ترتيب الهيئة الأصلية، ثم فاوت في الجمال بينها، فجعلها مراتب، فمن أراد أن يغير خلق الله فيها وتبطل حكمته بها، فهو ملعون لأنه أتى ممنوعاً"( ).
وقال الطبري: "لا يجوز للمرأة تغيير شيء من خلقتها التي خلقها الله عليها بزيادة أو نقص، التماساً للحسن لا للزوج ولا لغيره"( ).
والآن أتكلم على هذه الأنواع بشيء من التفصيل:
1) تفليج الأسنان:
التفليج في اللغة من فلج الأسنان: باعد بينها، جاء في لسان العرب لابن منظور: (والفلج في الأسنان تباعد ما بين الثنايا والرباعيات خلقة، فإن تكلف فهو التفليج" ا هـ( ).
والمراد هنا: أن يفرج بين الأسنان بمبرد ونحوه، تفعله الكبيرة، توهم بأنها صغيرة( ).
فهذا الفعل محرم لقوله: }والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله{. فهو تغيير لخلق الله، وانشغال بأمور حقيرة لا قيمة لها، وإضاعة للوقت الذي يجب شغله بما ينفع الإنسان كما أنه تزوير وتدليس وإظهار لصغر السن.
قال في نيل الأوطار: "والفلج بفتح الفاء واللام، هو الفرجة بين الثنايا والرباعيات، تفعل ذلك العجوز ومن قاربها في السن إظهاراً للصغر وحسن الأسنان. لأن هذه الفرجة اللطيفة بين الأسنان تكون للبنات الصغيرات، فإذا عجزت المرأة، كبرت سنها فتبردها بالمبرد لتصير لطيفة، حسنة المنظر توهم كونها صغيرة"( ).
وقد جاء في حديث ابن مسعود – هذا – من رواية الإمام أحمد وفيه: "فإني سمعت رسول الله e نهى عن النامصة والواشرة"( ).
قال السندي: "الوَشْر بفتح واو فسكون شين معجمة واو مهملة، هو معالجة الأسنان، بما يحددها، ويرقق أطرافها، تفعله المرأة المسنة بذلك بالشواب". وقال ابن الأثير: الوَشْر أن تحدد المرأة أسنانها وترققها. والواشرة: الصانعة لذلك. والمؤتشرة: المفعول بها ذلك( ).
فاتضح مما تقدم أن معالجة الأسنان بالتفليج أو الوشر بقصد التحسين وإظهار صغر السن، محرم شرعاً لما تقدم. أما بقصد المعالجة والتداوي فلا مانع منه( ) فإذا ظهر للمرأة سن زائدة تؤذيها فلا مانع من خلعها. لأنها تشوه المنظر، وتعيق في الأكل، وإزالة العيوب جائز شرعاً، وكذلك إذا كان فيها تسوس واحتاجت إلى إصلاحها من أجل إزالة ذلك فلا بأس، وإذا كان على يد طبيبة مختصة فهو المتعين.
2) النمص:
قال أهل اللغة: النمس نتف الشعر، والنماص: إزالة شعر الوجه بالمنقاش، والنامصة هي التي تفعل النماص، والمتنمصة: هي التي تطلب أن يفعل بها ذلك، هذا هو المدلول اللغوي للكلمة بوجه عام، لكن هل النمص عام في إزالة شعر الوجه بما في ذلك شعر الحاجبين أو أنه خاص بهما؟
إن أحاديث النمص عامة ليس فيها تخصيص، فيظهر – والله أعلم – أنه لا فرق بين إزالة شعر الوجه أو شعر الحاجبين، وتفسير النمص بنقش الحاجبين وترقيقهما، وأنه لا يدخل فيه حف الوجه، وإزالة ما فيه من شعر أو زغب، قول مرجوح لأمرين:
الأول: أنه مخالف لعموم الأحاديث، ومنها حديث ابن مسعود المتقدم، (والنامصات والمتنمصات) وحديث عائشة – رضي الله عنها – قالت: "كان نبي الله e ينهى عن الواشمة، والواصلة، والمتواصلة، والنامصة، والمتنمصة"( ).
الثاني: عن تخصيص النمص بحف الحاجب – وإن قال به بعض علماء اللغة والشرع – لكن الأكثرين على خلافه حيث جعلوا النمص عاماً.
قال ابن الأثير في النهاية: "النامصة هي التي تنتف الشعر من وجهها، والمتنمصة: هي التي تأمر من يفعل بها ذلك"( ).
وقال في القاموس: "النمص: نتف الشعر"( ).
وقال الزمخشري: "في وجهها نمص: شبه الزغب. ونمصته الماشطة بالمنماص نتفته، وهو أنمص الحاجبين إذا رق مؤخرهما"( ).
وقال الفراء: "النامصة التي تنتف الشعر من الوجه، ومنه قيل للمنقاش منماص لأنه ينتفه"( ).
وقال في لسان العرب: "النمص نتف الشعر ونمص شعره ينمصه نمصاً نتفه"( ). فهذه النصوص عن علماء اللغة تفيد أن النمص هو النتف، وهو عام، وإن كان علماء اللغة يتفقون على أن نتف الحاجب داخل في النمص وإنما الخلاف فيما عداه.
وكذلك شراح الحديث من العلماء يرون أن النمص في شعر الوجه ويتفقون على أن نتف الحاجب من النمص. فالنووي يقول في شرح صحيح مسلم: " وأما النامصة بالصاد المهملة فهي التي تزيل الشعر من الوجه. . "( ).
وقال في فتح الباري: "والنماص إزالة شعر الوجه بالمنقاش، ويسمي المنقاش منماصاً لذلك، ويقال: إن النماص إزالة شعر الحاجبين لترفيعهما أو تسويتهما . . "( ) فتراه يشير إلى تضعيف تخصيصه بشعر الحاجبين بقوله: ويقال. وقال السيوطي: "النمص هو نتف الشعر من الوجه"( ) وأما قول أبي داود في سننه: والنامصة التي تنقش الحاجب حتى ترفه، فهو باعتبار الغالب. لأن هذا هو المنتشر عند النساء. ولم يرد به حصر النمص بالحاجب فقط بدليل أنه فسر الواشمة بقوله: "الواشمة التي تجعل الخيلان في وجهها بكحل أو مداد . ." قال في الفتح بعد نقله تفسير أبي داود للواشمة: "وذكر الوجه للغالب وأكثر ما يكون في الشفة، وسيأتي عن نافع في آخر الباب الذي يليه أنه يكون في اللثة، فذكر الوجه ليس قيداً، وقد يكون في اليد وغيرها من الجسد"( ).
وعلى هذا فما تفعله كثير من النساء اليوم من تهذيب شعر الحواجب أو تحديده بقص جوانبه أو حلقه أو نتفه فهو نمص محرم، ملعون فاعله كما تقدم، وأما نتف شعر الوجه فالأولى تركه لما تقدم – وإن قال: بجوازه بعض أهل العلم وأنه ليس داخلاً في معنى النمص. لكن الاحتياط مطلوب إلا إذا ظهر شعر واضح فلا بأس بإزالته أخذاً بهذا القول ولأن هذا من إزالة العيوب. والله أعلم.
وتخصيص المرأة لأنها هي التي تفعله غالباً للتجمل! وإلا فالحكم يشمل الرجل – أيضاً – فلو نتف شعر حاجبيه أو قصهما أو حلقهما فهو ملعون، لأنه مغير لخلق الله تعالى، وينبغي أن يعلم أن العلة في تحريم النمص ليست التدليس والتغرير كما قد يفهمه بعض الناس، فإذا انتفى ذلك جاز، فإن هذه علة مستنبطة، والحديث قد نص على أن العلة قصد الحسن وتغيير خلق الله والعلة التي ثبتت بالنص أقوى في الدلالة من العلة المستنبطة كما في الأصول( ) وكذلك يحرم إزالة الحواجب الأصلية والاستغناء عنها بحواجب اصطناعية ملونة؛ لما فيه من تغيير الخلقة. والأضرار الناجمة عن وضع المادة الكيميائية على الحواجب كما تقدم في وسائل التجميل الحديثة.
فإن قيل: ما الجواب عما أخرجه الطبري من طريق أبي إسحاق عن امرأته أنها دخلت على عائشة – رضي الله عنها – وكانت شابة يعجبها الجمال، فقالت: المرأة تحف جبينها لزوجها؟
فقلت: أميطي عنك الأذى ما استطعت( ).
قيل: ها هنا أمران:
الأول: تقدم النهي عن النمص وأنه هو النتف كما نقلناه عن أهل اللغة.
ويبقى القص والحف هل هو داخل فيه أو لا؟ فيه خلاف بين أهل العلم والأولى تجنب ذلك؛ لأن العلة – وهي تغيير خلق الله تعالى المنصوص عليها في حديث ابن مسعود – موجودة في النتف – كما هو موجودة في القص والحف - ولهذا يرى النووي – رحمه الله – أن الحف من جملة النماص. قال في المصباح المنير: (حفّت المرأة وجهها: زينته بأخذ شعره)( ).
الثاني: يجاب عما ذكر من وجهين:
1- أنه أثر ضعيف ذكر الألباني: وقال: فإن امرأة أبي إسحاق لم أعرفها( ).
2- إنه مخالف لحديث ابن مسعود وغيره في لعن النامصة، فكيف تفتي عائشة – رضي الله عنها – بجواز الحف من أجل رغبة الزوج؟
وعلى فرض صحته وعدم مخالفته فهو قول صحابي مختلف في حجيته – كما عند الأصوليين – وإذا قلنا: إنه حجة، فيمكن حمله على ما فيه أذى، كما يدل عليه قولها: "أميطي عنك الأذى"() والله أعلم.
أما إذا ظهر للمرأة شعر في أماكن غير معتادة، كأن يكون لها لحية، أو شارب، أو عنفقة، أو ينبت على خدها شعر، فهذا لا بأس بإزالته، بل هو مستحب لأن المرأة مأمورة بالتزين لزوجها. وبقاء ذلك مشوه لها.
قال النووي: (يستثنى من النماص ما إذا نبت للمرأة لحية، أو شارب، أو عنفقة، فلا يحرم عليها إزالتها بل يستحب)( ).
إن الله تعالى خلق وجه المرأة بلا شعر، وظهور ذلك يعتبر مشوهاً لها فهو عيب، وإزالة العيوب جائز شرعاً، كالسن الطويلة والإصبع الزائدة. وقد ورد عن عبد الرحمن بن طرفة عن عرفجة بن أسعد قال: "أصيب أنفي يوم الكلاب في الجاهلية فاتخذت أنفاً من ورق فأنتن عليّ، فأمرني رسول الله e أن اتخذ أنفاً من ذهب"( ).
ولا منافاة بين جواز ذلك وتحريم النمص، لأن النمص ليس فيه إزالة عيب بل هو لزيادة الحسن – كما يزعمون – وفيه تغيير لخلق الله، لأن الحواجب قد تكون رقيقة دقيقة، وقد تكون كثيفة واسعة، وهذا أمر معتاد، فصار تغييره محرماً( ) وفاعله ملعون – والعياذ بالله – وأما إزالة ما ذكر فهو إزالة شيء تشمئز منه النفس السوية، والفطرة السليمة، لا بالنسبة للزوجة فحسب، بل الزوج – أيضاً – الذي يحرص على جمال زوجته، ولاسيما وجهها مجمع المحاسن، ولذا خلا من اللحية والشارب ليكون أكمل في الاستمتاع، والله عليم حكيم. ولنا تكملة إن شاء الله

أبو عبد الله الأثري
06-11-2006, 05:52 AM
جزاك الله خيرا يا ريت لو وضعت المقدمة فقط والباقي على شكل ملف للتحميل لكي يكون منسق

وشكراً لك على المجهود المبذول من جهتكم للشبكة

أبو علي الحديثي
06-11-2006, 10:51 AM
جزاك الله خيرا ، وأسأل الله ان تنتفع بنصيحة أخونا المشرف

أبوعبدالعزيز السلفي
06-11-2006, 12:46 PM
[QUOTE=أبوعبدالعزيز السلفي](بب)
زينــــــــــة
المـــــرأة المسلمة
بقلــــــم
عبد الله بن صالح الفوزان
دار المسلم
للنشر والتوزيع
مقدمة الطبعة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد:
فهذه رسالة في موضوع (زينة المرأة)، كانت في أصلها محاضرة ألقيتها ضمن المحاضرات التي ينظمها (مكتب الدعوة والإرشاد) في بريدة. فطلب مني عدد من الاخوة – جزاهم الله خيراً – طباعتها، وألحوّا عليَّ في ذلك، فأعدت النظر فيها، وزدت عليها زيادات كثيرة رأيتها مناسبة.
أسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل لوجهه خالصاً، ولعباده نافعاً. وصلى الله على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

ا